عبدالكريم لمباركي يكتب..التصويت مدخل لبناء الحداثة السياسية
أستاذ وباحث،عضو حزب الإتحاد الإشتراكي فرع تيط مليل
شارك
يعيش المجتمع المغربي اليوم مجموعة من التحولات الجيوسياسية، تحولات جعلته قوة دبلوماسية وتفاوضية عميقة جدا ما دفع مجموعة من الدول العظمى تحسب ألف حساب قبل أن تفكر في مقايضته أو التجاوز عليه، هذا التحول طبعا ليس وليد اللحظة وإنما هو نتيجة لسيرورة من الإنجازات التي حققتها الإرادة الملكية، إنها إرادة إصلاحية تسعى إلى خلق مغرب جديد بالاعتماد على صياغة نموذج تنموي جديد خاضع لمجموعة من الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها بلادنا، إنه نموذج ينطلق من الواقع المعيش لكي يضع خارطةيتبنى فلسفة واقعية بعيد عن كل تجريد فلسفة تجعل من الأفراد منخرطين بشكل فعلي في بناء بلدهم وتطويره. لكن هل يمكن تحقيق هذه الغاية دون تصويت ومشاركة سياسية؟
طبعا لا يمكن لأن الممارسة السياسية هي التي تجعل منك فردا فاعلا بواسطة وعيك بالشروط السياسية التي تحدد منطلقات ورؤى بلادك أما التملص من المسؤولية بذريعة بعض الممارسات التي تقوم بها الأحزاب فهذا أمر غير مقبول لا أخلاقيا ولا إنسانيا، لأن المرشح لا يعكس الدولة والوطن وإنما يبقى مجرد فاعل يمكنه أن يمارس فعله السياسي بمنطق الصالح العام كما يمكن أن يمارسه بمطنق الذاتية والأنانية، لهذا فبعدم تصويتنا فإننا نعزز الشرعية للمترشح لكي ينهب اموال الوطن دون أن يصلحه، كيف لا يقوم بذلك وهو يرى الأفراد والشباب بالخصوص يتملصون من مسؤولياتهم وواجباتهم اتجاه وطنهم. وجب أن نجعل الناخب خاضعا للمشروعية ولا يتمتع بحرية الشرعية، بتصويتنا يمكننا محاسبة المترشح إذا خل بعمله ولم يحترم مقتضيات وقوانين الدستور المغربي وما وضعه من وعود في برنامجه الانتخابي، لكن بمقاطعتنا للتصويت أو قبولنا بمغريات المترشح فإنه يستمد الشرعية حينها من ذاته ولا يكون ضعيفا أمام إرادة الشعب ولعل الاختلاف بين الشرعية والمشروعية بارزا بشكل تام لذا كل مضطلع على الفلسفة السياسية.
بمقاطعتنا للتصويت ننتقم من الوطن ونضعه بأيادي غير آمنة تتعامل معنا كآلات لا وعي ولا إرادة لها سوى القبول بالوضع كما هو، لهذا فتغير واقعنا الاقتصادي رهين بوعي وعي سياسي عميق، ولن يتأتى هذا الوعي إلا بالحضور والتواجد كفاعلين في المجتمع وليس كمنفعلين.
بات النظام المغربي اليوم نظاما حداثيا على المستوى السياسي، وإذا لم يكن أفراد المجتمع المغربي يتمتعون بالحداثة السياسية فإن الأمر سينقلب سلبا على العلاقات الدبلوماسية التي ينسجها المغرب مع مجموعة من الدول، لهذا لنجعل الإرادة الإصلاحية الملكية تنعكس علينا ولنطور من وطننا ونجعله قويا بالمقارنة مع باقي دول شمال إفريقيا والدول الغربية كذلك. أما التملص من المسؤولية بسبب انفعالات وكره الأحزاب فهذا تعبير عن قصور تفكيرنا ويجردنا من رتبة الوطنية التي ميزت أجدادنا على مر التاريخ، فأسلافنا كانوا يتمتعون بحداثة سياسية عميقة لأن كانت لهم القدرة والمناعة على التمييز بين (الوطن والنظام والحزب) الوطن تعبير عن خصوصية الثقافة والهوية التي تجعلنا ذا قيمة كبيرة أمام باقي الأوطان كلما تعلقنا به وجعلنا منه جوهرا لكل فعل سياسي نقوم به، لذا فاللحظة التي اجعل الوطن ملكا للحزب حينها افرط في اصلي وانتمائي وأكون مغتربا ومستلبا داخل وطني، بل أجعل من وطنيتي وطنية منكسرة ومتشظية.
أما (النظام) فالمفهوم وحده كفيل بتوضيح دوره، إنه الجامع والمنظم لبنية الوطن مهما كانت متناقضة ومتباعدة، فرغم اختلاف توجهات الأحزاب وقبليتهم إلا أن المغرب لازال يتمتع بأمن واستقرار قل نظيره، كيف؟!
لا جرمَ أن هذه الهدنة والسلم نتيجة لإرادة الإصلاح التي يحملها النظام المغربي بكل هياكله أنه ذلك القانون(نوموس) الذي يوحد الفوضى (كاووس) و يجعل من (الكل واحدا) أي يجعل من الأحزاب ذات التوجهات الأيديولوجية المختلفة والمتناقضة خاضعة لإرادة الإصلاح ومهما حاولت الأحزاب الاغتناء إلاّ غلبت عليها إرادة النظام، ولعل هذا التقدم الذي حققه المغرب حديثًا خير دليل على ما أقول.
لهذا فنحن مطالبون اليوم بتوحيد إرادة النظام مع إرادة الأفراد لأنه سنحصل حينها على أحزاب وطنية رغما عنها، فلا حديث عن وطن دون وطنية ولا حديث عن الوطنية دون المشاركة السياسية، النظام المغربي اليوم سيجد صعوبة كبيرة للاستمرار إصلاح الوطن إذ لم يكن الأفراد ذا وعي سياسي، ذلك لأنه أصبح نظاما مجسدا للحداثة السياسية بشكل واضح، لكن الأفراد يتميزون بتفكير تقليدينا عشوائيا، تقليدينا من حيث هو تفكير يقلد ويعيد إنتاج نفس السلوكات التي قامت بها بعض الأحزاب الإسلاميوية، وهذا طبعا كردة فعل وخيبة أمل على ما قامت به هذه التوجهات من إقصاء للفرد وهو الذي كان يرى فيهم التجسيد الفعلي للإسلاموية. وعشوائي من حيث هو تفكير يربط إرادة حزب (ذات إرادة تخربية) بإرادة ملك ومصلحة وطن، ومنه يصعب التقدم بالجمع بين الحداثة والتقليد.
الوطن اليوم في حاجة قصوى إلى شبابه أكثر من أي وقت مضى لأن شباب اليوم هو وطن الغد، وإذا لم يشارك الشباب اليوم في الممارسة السياسية فإننا سنحصل على وطن مريض غدا، مرض يصعب تشخيصه وسنكتفي بالنظر إلي وهو يحتضر. إن الشباب هو الكفيل بإصلاح التعليم والصحة وباقي الميادين، لأن أغلبية الآباء غير متمدرسين ويخضعون لفكر القبيلة أما شباب اليوم – وبالرغم من عدم تمدرسهم- إلا أنهم يتمتعون بأليات النقد والمساءلة، بيد أنها آليات تذهب في الاتجاه الخطأ، فبدل أن تنتقد الوضع ونزيد من شرعية المنتخب، وجب أن يسائلوا ذواتهم، هل يقومون فعلا بدورهم السياسي للتغير أم يعبرون على انفعالات سلبية لا غاية ولا فائدة منها، التصويت يعني الحرية، والانسحاب يعني مزيدا من العبودية.
صفوة القول؛ لا حداثة ولا تقدم دون حداثة سياسية تجعل من الفرد مكتسبا وعيا تاريخانيا بالوضع الراهن، ولعل ابرز تجسيد حقيقي للحداثة السياسية هي المشاركة السياسية.