كريم الصامتي يكتب :فاطمة المرنيسي: سيرة ومسار رائدة الدراسات الجندرية
المرنيسي، تجندت للترافع الفكري عن قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم العربي والإسلامي محاولة تحرير النساء من رؤية دغمائية منكرة لدورهن وفعلهن الإيجابي في التاريخ، مناصرة بذلك حقهن في المساواة والاعتراف بحضورهن في تاريخ الحضارة العربية والإسلامية خصوصا والإنسانية عموما.

بمدينة فاس العالمة الضاربة في عمق الحضارة المغربية، ولدت فاطمة المرنيسي سنة 1940 للميلاد، لتكون واحدة من أهم النساء الأكثر تأثيرا في العام وفق صحيفة الغارديان البريطانية لسنة 2011م، باعتبارها عالمة اجتماع وكاتبة اهتمت بالدراسات الجندرية، من منطلق الحفر المنهجي في التراث بنظرة تفكيكية ونقدية، بغية رصد موضوعي لكل مظاهر الطمس التي لحقت بفاعلية وعضوية النساء الإيجابية في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، القائمة على تفسير وتأويل للأحداث والنصوص لصالح الحضور الذكوري بخلفية إيديولوجية وتراثية وسلطوية بحثة.
من منطلق هذا التصور الفكري لفاطمة المرنيسي، تجندت للترافع الفكري عن قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم العربي والإسلامي محاولة تحرير النساء من رؤية دغمائية منكرة لدورهن وفعلهن الإيجابي في التاريخ، مناصرة بذلك حقهن في المساواة والاعتراف بحضورهن في تاريخ الحضارة العربية والإسلامية خصوصا والإنسانية عموما.
ساهم المسار التعليمي والتنشئة الاجتماعية التي حضيت بها المرنيسي في تشكل وعيها الحداثي، فانتمائها لعائلة وطنية بورجوازية مقربة من الحركة الوطنية المناوئة للاستعمار الفرنسي، مكنها من أن تحضى بحقها في التعليم بالمدارس الحرة التابعة للحركة الوطنية، ثم التحقت بثانوية خاصة بالفتيات كانت تمولها الحكومة الفرنسية الأمر الذي لم يكن متاحا لكثيرات من بنات جيلها، والمغرب آنئذ تحت وطأة الاحتلال الفرنسي من جهة، كما أن البنية الثقافية للمجتمع المغربي حينها لم تكن لتسمح للأسر المحافظة بالترخيص لبناتهن بالانفتاح على المحيط الخارجي ذي الطابع المؤسساتي من جهة أخرى. واصلت مسيرتها التعليمية بالرباط لتلحق فيما بعد بجامعة السوربون Sorbonne في فرنسا، ثم بجامعة برانديز Brandeis University بالولايات الأمريكية المتحدة حتى نالت شهادة الدكتوراه، لتعود إلى المغرب وتصبح أستاذة في جامعة محمد الخامس بشعبة علم الاجتماع.
تقلدت فاطمة المرنيسي عدة مسؤوليات بناءً على حضورها الأكاديمي، إذ عملت باحثة بالمعهد الوطني للبحث العلمي بالرباط، وعضوا بجامعة الأمم المتحدة، إلى جانب انخراطها في العمل الجمعوي المدني إذ أسست مبادرة جمعوية من أجل حقوق النساء أطلق عليها إسم “قوافل مدنية”، وساهمت في إطلاق تجمع “نساء، أسر، أطفال” ما جعلها أيقونة للنضال المدني من أجل حقوق النساء، ما مكنها من حيازة عدة جوائز من أهمها: جائزة إراسموس الهولندية سنة 2004 إلى جانب المفكر السوري صادق جلال العظم والإيراني عبد الكريم سوروش. وجائزة أمير أستورياس للأدب مناصفة مع سوزان سونتاك. وقد كرمت الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك روحها وذلك عبر إحداث كرسي استثنائي يحمل إسم ” كرسي فاطمة المرنيسي”، في إطار اتفاقية بين جامعة محمد الخامس بالرباط والجامعة المكسيكية وقعت سنة 2016م. وقد خلدت جامعة محمد الخامس والمدرسة العليا للتجارة اسمها بإحداث كرسي فاطمة المرنيسي يرمي إلى إنشاء فرق بحثية للتفكير والنشر والكتابة في مواضيع تتناول قضايا تستأثر باهتمام الرأي العام لتخليد فكر الراحلة واشاعة فكرها المتنور والحداثي الذي ينبي على ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والاعتراف بدور المرأة الخلاق في بناء الحضرات.
من أهم ما يحسب للمرنيسي هو كون الخطاب الذي أنتجته حول المرأة كان بعيدا عما أنتج من خطابات مختلفة ذات المنطلقات والغايات المتخنة بالأديولوجيا، ففي معظم أعمالها حاولت أن تترصد لعبة الضوء والظل في المشهد التراثي العربي والإسلامي، فتمركزت حول أن الإسلام كدعوة تخلقية إيمانية لم يكن لينتصب كمعادٍ للمرأة، بل إن الفهم والتفسير وإعادة بناء الخطاب الديني في لحظات تاريخية مختلفة بناءً على اعتبارات وخلفيات ارتبطت بسياقات ثقافية وبظروف سياسية معينة، هو ما طوق المرأة داخل أضلاع الثالوث المحرم (الدين، السياسة، الجنس)، تتقاطع أضلاعه وتتعاضد حول رؤية واحدة ووحيدة ساهمت في تثبيت تمثل منغلق حول النوع/ الجندر بما يتوافق والبنيات الذهنية للعقلية العربية والإسلامية.
بسطت فاطمة المرنيسي لفكرها من خلال أطروحتها المتمركزة حول تقفي جذور الصورة النمطية للمرأة العربية والإسلامية، ومقارنتها بصورة المرأة الغربية، من خلال جدلية الماضي والحاضر او كما كانت تسميه جدلية التراث والحداثة. هذه الجدلية التي جعلت المرأة رهينة للتوافقات السياسية والتحولات الاجتماعية من جهة، وتأويل وفهم النصوص التراثية من جهة ثانية. كان لهذا الحفر الجينيالوجي الذي قامت به المرنيسي، في بنيات التراث العربي والإسلامي، أهمية بالغة لكسر أضلاع المثلث المقدس، لإخراج موضوع المرأة من دولاب التصورات الأيديولوجية وطرحه كمجال للتدراس والبحث المشترك بين مختلف الفاعلين، عوض أن يبقى حكرا على الفقهاء ورجال الدين، فقضية المرأة قضية مجتمع ويقتضي التفكير فيها وحل مغاليقها الانخراط الجريء بخلفية الانحياز الموضوعي لأفق تنويري حداثي يخترق الخطاب الأيديولوجي المهين الذي مارس ويمارس قهرا وإقصاءً للمرأة باسم الدين.
جميع أعمال فاطمة المرنيسي تتغيي الترافع الأكاديمي ذي الطبيعة البحثية العلمية، من أجل تحرير المرأة من القيود الثقافية والسياسية التي كبلت النساء وجعلتهن مستسلِماَتٍ لهيمنة المجتمع الذكوري. ويمكن اعتبار أن كل ما خلفته المرنيسي من مقالات وكتب علمية وأدبية، ميراثا ترافعيا ظلت من خلاله المرنيسي مناصرة لقضية تحرير المرأة من أغلال الماضي والحاضر، محاولة المساهمة في تحديث البُنى الذهنية للمجتمعات العربية والإسلامية، وشق إسمنتها التقليدي لنشدان مجتمع عصري حداثي يعترف بالمرأة ويجعل من النساء شقائق الرجال في بناء الحضارة الإنسانية، إلى أن توفيت سنة 2015 ميلادية بألمانيا.
شذرات من أقوال فاطمة المرنيسي:
“ما يميز الرجال الأوربيين عن غيرهم أنهم يضنون أنفسهم متحضرين ومحصنين ضج رؤية المرأة الجارية الخانعة، ولكن فيروس المرأة الجارية يهاجم الجميع ويكفي أن نلقي نظرة على الإعلانات الغربية، أو نتأمل النموذج والمثال الغربي من خلال عارضات يبدون كأنهم لم يتجاوزن الثانية عشرة، نحيلات مجموعات بلا ملامح أو انعطافات أنثوية، بحيث تصبح نموذجا للحيرة والهشاشة والقابلية للاستغلال من قبل الآخرين، بينما ينفر النظام الغربي من الأجساد المكتنزة رمز نضوج المرأة وقوتها، لاسيما أن المرأة باتت منافسة للرجل في سوق العمل فلا بد من ابتكار حريم ذهني أو فضاء متميز للمرأة النموذج لكبح جماح المرأة الناضجة المنافسة القوية”
(هل أنتم محصنون ضد الحريم)
” ما يفصل الرجال عن النساء في عالم القصص ليس مجرد حاجز، بل هوة عميقة. والعلاقة التي تجمع هؤلاء بأولئك هي الحرب التي يخوضوها الطرف ضد الطرف الآخر”
(شهرزاد ليست مغربية)
“إن العالم العربي الذي يستحق ان نحارب و نتصادم في سجالاتنا من أجله هو عالم حيث يستطيع العقل العربي بسط قدراته كما يبسط عصفور جناحيه ليبلغ الأعالي… لذا لم تكونوا جبابرة يا سادتي في عالم معاصر تشكّل فيه المعرفة السلاح و الذخيرة، لن تكونوا الا متخلفين غرباء، ما دامت أمهاتكم و أخواتكم و نساؤكم و خادماتكم و عاملاتكم أميّات… فحين ندرك ان قوة الحاكم ليست نابعة من ضعف شعبه و لا من إقصاء نساءه”
(شهرزاد ليست عربية)
” بما ان جهلنا بالماضي يستعمل كسلاح ضدنا لنرد على ذلك ونقرأ الماضي!”
(سلطانات منسيات)
“من هن النساء المسلمات اللواتي قاومن الحجاب؟ إن أشهرهن سكينة إحدى حفيدات النبي (ص) ومن ابنته فاطمة، زوجة علي، الخليفة الراشدي الرابع الذي ترك الخلافة لمعاوية وكان قد جرى اغتياله من قبل أول “إرهابي” سياسي مسلم، وسيكون مصير أبنائه مأساوياً كمصيره وستشهد سكينة من جهة أخرى مذبحة والدها في كربلاء، وهذه المأساة تفسر جزئياً تمرّدها ضدّ الإسلام السياسي العاتي والمستبد وضد كل من ينتهك حرية الفرد بما في ذلك الحجاب”.
(الحريم السياسي)
“كم نحتاج إلى المعتزلة الجدد”
(الخوف من الحداثة؛ الإسلام والديمقراطي)
– شهادات باحثين ونقاد حول فاطمة المرنيسي:
شرف الدين ماجدولين: “(…) المرنيسي تنتمي إلى عينة من المفكرين والدارسين المغاربة ممن أنتجهم سياق ثقافي ووطني استثنائي، ونظام تعليمي كفل لكثيرين منهم تعميق معارفهم في حقول شتى، قد تبدأ باللغويات ولا تنتهي بالتشريع الإسلامي، وربما لأن ولعها الأثيل بعوالم “الحريم” جعلها تغرق في اكتساب مهارات ذهنية وأدبية غير محدودة، نجحت في إبراز الجواري (“شهرزاد”، “تودد”، “مريم الزنارية”، “دنانير”، و”الورد في الأكمام”..) نماذج للعبقرية الإنسانية في اكتساب معارف النحو والمنطق والموسيقى والرقص، والفقه والتصوف، وتوظيفها في نسج الغواية.”
نعي اتحاد كتاب المغرب لفاطمة المرنيسي:”(…) بغيابها، يكون حقل علم الاجتماع في المغرب وفي العالم العربي والعالم، قد خسر إحدى دعائمه وركائزه العلمية القوية، هي التي تركت للمكتبة العالمية، عديد المؤلفات والمصنفات والكتابات السردية، وصل صداها إلى العديد من بقاع العالم، سواء عبر حضورها المباشر في المحافل العلمية الدولية.”
المعطي قبال: “غيب الموت فاطمة المرنيسي، الباحثة في المجال السوسيولوجي، التي نشأ على يديها جيل من الباحثين الأساتذة في توجهات عديدة من العلوم الإنسانية. شكلت إلى جانب عبد الكبير الخطيبي، محمد كسوس، محمد عابد الجابري، عبد الله العروي وغيرهم طاقما معرفيا نهلنا منه يوميا في جامعة محمد الخامس في الرباط. زرتها في بيتها في أكدال لتحضير مجيئها كمحاضرة في معهد العالم العربي. كانت لها ملكة تحويل الخرائف إلى مادة علمية. وداعا أستاذتنا النبيلة”.
محمد بودويك: “حفرت عميقاً في الذاكرة التراثية، ونبشت، بصبر، المكنوزَ والمذخورَ والموروث الثقافي من حيث وجهه البترياركي والذكوري القامع والمقموع، المستند إلى خرافة الفحولة المدعاة، والتأويلات المخدومة التي حجزت، وكبحت الحوافز، والمساواة، والديمقراطية، والاعتراف بالمرأة قسيماً بيولوجيا مختلفا، وكائنا إنسانيا كاملا له وعليه ما لقسيمه الذكر من دور ومسؤوليات، وإعمار للأرض، وخدمة جُلَّى للكون والكينونة والإنسان. أَكْبَرْتُ في فاطمة وسأظل، بهاءها الكتابي، وطَلَّتها العلمية المشرقة، وحضورها الوهاج اللافت في كل المنتديات والمؤتمرات العلمية، والمحافل الوطنية، والدولية، وكتاباتها الرصينة والعميقة. وأكبرت فيها شجاعتها وجرأتها في الوقت الذي بلع فيه عُتَاةُ «الفحول» ألسنتهم، ولاذوا بخيمة الخوف، والتردد، واللامبالاة، والإمعان في طعنها بأسلحة سوداء مفلولة وصدئة.”
عبد الله إبراهيم: “بحثت المرنيسي في حاضر المجتمعات التقليدية، وفي ماضيها، وفي علاقاتها الاجتماعية، وفي تطلّعاتها المستقبلية، وانتهت إلى أنها مجتمعات ساكنة، تتحوّل المرأة فيها إلى حرباء متقلّبة، تُحجب وتُكشف، تُستبعد وتُستحضر في آن واحد؛ فخلف كل حجاب ثمة جسد يفجّره العنفوان، وصورة المرأة معقّدة في هذه المجتمعات، مرة يريدها الرجل رمادا، ومرة جمرا، يخفي كينونتها الإنسانية وراء حجب الإهمال والاستبعاد، لكنه يستدعيها وقت الرغبة والمتعة، العلاقة بين الاثنين محاطة بقلق مستفحل، ففي الوقت الذي يمارس فيه الرجل هذه الازدواجية، تستجيب المرأة للضغوط المتقاطعة التي تفرضها تقاليد شبه مغلقة صار هاجس بعثها مجدّدا أحد أكثر التحدّيات الثقافية حضورا في عصرنا، وتطلّعات تحررية مستعارة أنجزتها مجتمعات أخرى”.
– قائمة بأهم عنوانين أعمال فاطمة المرنيسي:
– ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية؛ ترجمة فاطمة الزهراء أرزويل، المركز الثاقفي العربي، بيروت 2005.
– هل أنتم محصنون ضد الحريم؛ ترجمة نهلة بيضون، المركز الثقافي العربي، بيروت 2000 .
– سلطانات منسيات ( نساء حاكمات في بلاد الإسلام)؛ ترجمة فاطمة أرزويل، الفنك الدار البيضاء، 2000.
– شهرزاد ترحل إلى الغرب؛ ترجمة وتحقيق فاطمة الزهراء أرزويل، المركز الثقافي العربي، بروت 2003.
– العابرة المكسورة الجناح؛ ترجمة فاطمة أرزويل، المركز الثقافي العربي، بيروت 2002.
– الخوف من الحداثة؛ ( الإسلام والديمقراطية) ترجمة محمد الدبيات، دار الجندي للنشر ، 1995.
– الحريم السياسي (النبي والنساء؛ ترجمة عبد الهادي، دار الحصاد للنشر والتوزيع، 1993.
– نساء على أجنحة الحلم؛ ترجمة فاطمة الزهراء أرزويل، المركز الثقافي العربي، بيروت 2017.
– شهرزاد ليست مغربية؛ المركز الثقافي العربي، بيروت 2002.


