كريم الصامتي يكتب :حين تحمي العلمانية الديمقراطية من الابتزاز الانتخابي

ليست الديمقراطية مجرد صندوق اقتراع يفتح ثم يغلق، بل هي تعاقد أخلاقي وسياسي بين المواطن ومن يفوضه لتدبير الشأن العام. لذلك لا ينبغي النظر إلى التصويت كحق اختياري فقط، بل كمسؤولية مدنية تضمن شرعية الإرادة الشعبية، وهذه الشرعية لا تتحقق إلا من خلال التعاقد الذي يمنح المشروعية للدولة عبر أهم مؤسساتها، وهي الحكومة وما يندرج تحتها من أجهزة تنفيذية وإدارات مختلفة. فعندما يعزف المواطن أو ينسحب من المشاركة، يترك المجال فارغا أمام الأقلية المنظمة لاحتكار التشريع والاقتصاد والسياسة… وأمام سماسرة الانتخابات الذين يحولون أصوات الناس إلى سلعة تباع في رحبة الاستغلال والبوليميك و”التهركاويت”.


إن غالبية الفاعلين، أو بلغة أدق الدجالين ومحترفي “السماوي”، شناقة الانتخابات، لا يفوزون نتيجة قوة برامجهم أو عمق خطابهم، بل بسبب عزوف المواطنين وانسحابهم من الفعل السياسي. ومن هنا تبدو إلزامية التصويت وسيلة لحماية الديمقراطية، لا في جانبها الشكلي فقط، بل في روحها التي تنشد جعل تدبير الشأن العام فعلا تشاركيا. فالديمقراطية الحقة تنبني على توسيع المشاركة الشعبية للحد من التحكم في النتائج عبر المال والزبونية والولاءات القبلية و”التبزنيز” الريعي.
غير أن إلزامية التصويت قد تتحول بدورها إلى أداة عكسية إذا لم تصاحب ببناء وعي مدني نقدي وقنوات بناء هذا الوعي كثيرة تبدأ من المدرسة والاعلام والفن والدين…، لأن توسيع المشاركة في مجتمع هش سياسيا قد يمنح أفضلية لمن يتقنون استثمار العاطفة الجماعية والخطاب الوعظي والهوياتي أكثر من امتلاكهم لمشاريع عقلانية وبرامج قابلة للتنفيذ. إذ ليست كل تعبئة شعبية دليلا على نضج ديمقراطي، فقد تتحول الديمقراطية نفسها إلى مجرد إعادة إنتاج للهيمنة تحت مطية يركبها أعداء المجتمع المدني والحداثة والعقل، ويسقونها إلى الخلف لينحروها خفية في الماضي، تحت مبرر أو غطاء الإرادة الشعبية أو بمسمى الجماعة.
وبالتالي، ففي اعتقادي أن من لم يشارك في الاختيار يفقد جزءا من حقه الأخلاقي في لوم من يحكم باسمه، لأن الامتناع عن التصويت ليس حيادا دائما، بل قد يتحول إلى مساهمة غير مباشرة في استمرار الفساد السياسي.


إنه تحدي حقيقي أمام هذه المفارقة الاشكالية التي تحتاج الى حل بالنسبة للمجتمعات التقليدية، ما يجعل السؤال عن الديمقراطية والعلمانية والدولة الحديثة ضروريا كشرط صريح لأي اختيار سياسي.

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...