حياة لعرايش تكتب : حين يغيب أبناء الأقاليم الجنوبية عن الحكومة… من يسائل الأحزاب؟

القضية ليست البحث عن اسم ينتمي إلى الصحراء المغربية كي يكون حاضراً في صورة التشكيلة الحكومية، وإنما فهم الأسباب التي تجعل كفاءات المنطقة، بما تمتلكه من مؤهلات وخبرات، لا تجد دائماً طريقها إلى مراكز القرار.

ليس كل نقاش يثيره حدث سياسي ما يقود بالضرورة إلى جوهر المشكلة، فقد ننشغل أحياناً بنتائج الاختيارات السياسية، ونغفل مساءلة الشروط التي أنتجتها. وهذا، في تقديري، ما ينبغي الانتباه إليه ونحن نناقش غياب أسماء منحدرة من الأقاليم الجنوبية عن التشكيلة الحكومية المغربية الجديدة.

لقد انصب جانب مهم من النقاش على دلالات هذا الغياب، خصوصاً في ظل المشاركة الانتخابية التي تعرفها المنطقة، والنتائج التي حققتها أحزاب الأغلبية فيها. وهو نقاش مفهوم، بالنظر إلى تطلعات المواطنين إلى مشاركة أوسع في تدبير الشأن الوطني، لكنه يظل ناقصاً إذا توقف عند حدود المطالبة بوجه صحراوي داخل الحكومة.

بالنسبة إليّ، القضية ليست البحث عن اسم ينتمي إلى الصحراء المغربية كي يكون حاضراً في صورة التشكيلة الحكومية، وإنما فهم الأسباب التي تجعل كفاءات المنطقة، بما تمتلكه من مؤهلات وخبرات، لا تجد دائماً طريقها إلى مراكز القرار.

فالمسألة لا تتعلق بمن غاب عن الحكومة فحسب، بل بمن يملك القدرة على الوصول إليها، وبالآليات التي تحدد من يتقدم إلى الواجهة ومن يظل خارجها.

بين نتائج الانتخابات ومحدودية الوصول إلى القرار

تمنح الانتخابات الأحزاب شرعية سياسية تستند إلى ثقة المواطنين، لكنها لا تعني أن كل جهة حصلت فيها هذه الأحزاب على أصوات ومقاعد يجب أن تحصل بالضرورة على حقيبة وزارية. فالحكومة ليست مجلساً لتوزيع المناصب بحسب الانتماءات الجغرافية، والاستوزار لا ينبغي أن يتحول إلى مكافأة انتخابية أو استجابة لمطالب التمثيل الرمزي.

غير أن هذا المبدأ لا يلغي حقنا في التساؤل عن مدى انفتاح الأحزاب على مختلف الكفاءات المغربية، ولا يعفينا من فحص طبيعة الاختيارات التي تنتهي إلى تشكيل الحكومات.

إنني لا أدافع عن محاصصة جهوية، ولا أعتبر الانتماء إلى الأقاليم الجنوبية مؤهلاً كافياً لتحمل مسؤولية حكومية. ما أدافع عنه هو أن تكون المنافسة مفتوحة أمام الجميع، وأن تتاح للكفاءات فرص حقيقية لإبراز قدراتها، بعيداً عن الاعتبارات التي لا صلة لها بالكفاءة المهنية والسياسية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعكس غياب الأسماء الصحراوية عن الحكومة غياباً في الكفاءات المؤهلة، أم يكشف عن محدودية حضورها داخل المسارات الحزبية التي تقود إلى المسؤولية؟

إن الفرق بين السؤالين كبير؛ لأن الأول يضع موضع الشك قدرات أبناء المنطقة، بينما يدفعنا الثاني إلى مساءلة المؤسسات السياسية عن كيفية استقطاب الطاقات وإعدادها وتمكينها من المنافسة.

ليست المشكلة في الأسماء وحدها، بل في قواعد الصعود السياسي

من حق المغاربة أن يتساءلوا عن المعايير التي تحكم اختيار الوزراء، خاصة عندما تتكرر الوجوه نفسها في مواقع المسؤولية، ويظل تجديد النخب أبطأ من التحولات التي يعرفها المجتمع.

فهل أصبحت التجربة السياسية حكراً على أسماء محددة؟ وهل تملك الكفاءات الجديدة فرصاً متكافئة للانتقال من العمل الميداني والمهني إلى دوائر القرار؟ وإلى أي حد تؤثر العلاقات التنظيمية والحسابات الحزبية في تحديد مسارات الصعود السياسي؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني إصدار أحكام مسبقة على أعضاء الحكومة، ولا التشكيك في قدراتهم، بل يعني أن الاختيارات السياسية الكبرى ينبغي أن تكون موضوع نقاش عمومي مسؤول، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمناصب تتصل مباشرة بمصالح المواطنين ومستقبل البلاد.

المغرب ليس فقيراً في كفاءاته، ولا تنقصه الأطر القادرة على الإبداع والتدبير. لكن امتلاك المؤهلات شيء، والقدرة على تحويلها إلى حضور سياسي ومؤسساتي شيء آخر.

قد نجد طبيباً متميزاً، أو أستاذاً جامعياً، أو خبيراً اقتصادياً، أو إطاراً إدارياً يمتلك تجربة معتبرة، دون أن يجد أي منهم مساراً واضحاً يتيح له الانتقال إلى مواقع التأثير في القرار العمومي.

وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بالأقاليم الجنوبية وحدها، بل تصبح سؤالاً وطنياً حول طبيعة الحياة الحزبية، ومدى قدرتها على استيعاب المجتمع بكل تنوعه، والاستفادة من طاقاته بدل حصر القيادة في دوائر محدودة.

الأحزاب في الصحراء المغربية: هل نبحث عن الأصوات أم نبني القيادات؟

أعتقد أن هذا السؤال ينبغي أن يوجَّه أولاً إلى الأحزاب السياسية العاملة بالأقاليم الجنوبية.

فالحزب الذي ينتظر موسم الانتخابات ليتحرك، وينشغل بتدبير الترشيحات والتحالفات أكثر من انشغاله بتكوين أعضائه، سيجد نفسه عاجلاً أم آجلاً أمام صعوبة إنتاج قيادات جديدة قادرة على تحمل المسؤوليات الكبرى.

إن بناء النخب ليس عملاً موسمياً، ولا يتحقق بمجرد استقطاب أسماء وازنة عند الحاجة إلى تعزيز الحضور الانتخابي. إنه مسار طويل يبدأ بفتح الأبواب أمام الكفاءات، ويستمر بتكوينها، وإشراكها في النقاش الداخلي، ومنحها فرصاً للتدرج وتحمل المسؤولية.

لكن حين تتقدم الاعتبارات العائلية والقبلية والولاءات الشخصية على الاعتبارات الفكرية والتنظيمية، تصبح الحياة الحزبية أقل قدرة على التجدد، ويجد أصحاب الكفاءات أنفسهم أمام خيارات محدودة: إما التكيف مع قواعد قائمة لا يقتنعون بها، أو الابتعاد عن العمل السياسي.

وهذا وضع لا يخدم الأحزاب ولا المجتمع.

فالأقاليم الجنوبية في حاجة إلى تنظيمات سياسية لا تكتفي بتمثيلها انتخابياً، بل تساهم في تطوير نخبها، وتوسيع قاعدة المشاركة داخلها، وإعداد أطر قادرة على تدبير الشأن المحلي والمساهمة في صياغة السياسات الوطنية.

ولذلك، فإن غياب أسماء صحراوية عن الحكومة ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة الحصيلة الحزبية في مجال التأطير والتكوين وتجديد القيادات، لا مجرد مناسبة لتبادل مشاعر الاستياء.

فمن لا يهيئ الكفاءات داخل تنظيماته، لا يستطيع أن يطالب الآخرين بإنصافها عند توزيع المسؤوليات.

لماذا لا نرى الكفاءات الصحراوية في مختلف ساحات النقاش الوطني؟

هناك جانب آخر أراه جديراً بالاهتمام، ويتعلق بمحدودية حضور عدد من الكفاءات المنحدرة من الأقاليم الجنوبية في البرامج الإعلامية والنقاشات التي تتناول قضايا الشأن العام.

فنحن نسمع أصواتاً كثيرة عند مناقشة القضية الوطنية والوحدة الترابية، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى أهمية هذا الملف، لكننا لا نرى دائماً الحضور نفسه عندما يتعلق النقاش بالتعليم أو الاقتصاد أو السياسات الاجتماعية أو الاستثمار أو الإصلاح الإداري.

هل اختُزلت صورة الكفاءة الصحراوية في مجال واحد؟ وهل أصبح أبناء المنطقة يُستحضرون أساساً عندما يتعلق الأمر بقضاياهم الجغرافية، بينما تظل خبراتهم في المجالات الأخرى بعيدة عن الأضواء؟

إن الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة لا يتعارض إطلاقاً مع توسيع مجالات الحضور الفكري والسياسي لأبناء الأقاليم الجنوبية. بل إن إبراز كفاءاتهم في مختلف التخصصات يعكس عمق اندماجهم في الحياة الوطنية، ويؤكد أنهم شركاء في إنتاج الأفكار وصياغة الحلول ومناقشة مستقبل المغرب.

نحن بحاجة إلى إعلام يبحث عن الخبرة حيثما وجدت، وإلى فضاءات للنقاش لا تستدعي الأشخاص فقط بسبب انتماءاتهم، بل بسبب ما يمتلكونه من معرفة وتجربة وقدرة على التحليل.

فالمشاركة في الحياة الوطنية لا تقتصر على الوصول إلى المناصب، وإنما تبدأ أيضاً من القدرة على التأثير في النقاش العام، والمساهمة في تشكيل الوعي الجماعي، وتقديم تصورات بديلة لمواجهة التحديات.

من يتحمل مسؤولية الفرص الضائعة؟

من السهل أن نوجّه أصابع الاتهام إلى من اختاروا أعضاء الحكومة، لكن من الأصعب أن نراجع أداء المؤسسات التي كان يفترض أن تُعدّ المرشحين لتلك المسؤوليات.

هل وفرت الأحزاب بالأقاليم الجنوبية بيئة سياسية تستقطب الشباب والنساء والأطر المستقلة؟ هل شجعت الكفاءات على الانخراط في العمل التنظيمي؟ هل اعتمدت معايير واضحة لتوزيع المسؤوليات الداخلية واختيار المرشحين؟ وهل منحت أعضاءها فرصاً فعلية للمشاركة في صناعة القرار؟

هذه الأسئلة أكثر إزعاجاً من الاكتفاء بالحديث عن غياب وزير من منطقة معينة، لكنها أكثر فائدة أيضاً؛ لأنها تضع المسؤولية في موضعها، وتفتح الباب أمام إصلاح يمكن قياس نتائجه.

كما أن مسؤولية تجديد النخب لا تقع على الأحزاب وحدها، بل تشمل مختلف الفاعلين الذين يستطيعون المساهمة في بناء فضاءات للحوار والتكوين وتبادل الخبرات، وربط الكفاءات بعضها ببعض، وتشجيع المشاركة السياسية على أسس ديمقراطية.

المطلوب هو الانتقال من سياسة انتظار الفرصة إلى بناء شروط استحقاقها، ومن الاكتفاء بانتقاد النتائج إلى الاشتغال على الأسباب.

ما الذي نريده فعلاً؟

في تقديري، لا ينبغي أن ينتهي هذا النقاش بانتصار خطاب المطالبة بوزير صحراوي، ولا بخطاب مقابل يعتبر إثارة الموضوع أمراً غير مبرر.

بين الموقفين توجد مساحة أوسع وأكثر أهمية: مساحة الدفاع عن الإنصاف دون محاصصة، وعن الوحدة الوطنية دون إلغاء الخصوصيات، وعن الاستحقاق دون انتقائية، وعن التجديد دون إقصاء أصحاب التجارب.

إن أبناء الأقاليم الجنوبية لا يحتاجون إلى أن يُنظر إليهم باعتبارهم كتلة جغرافية تطالب بنصيبها من المناصب، وإنما باعتبارهم مواطنين يمتلكون مؤهلات متنوعة، ويحق لهم التنافس على المسؤوليات الوطنية وفق المعايير نفسها التي ينبغي أن تسري على الجميع.

وفي المقابل، فإن الكفاءات مطالبة أيضاً بالخروج من دائرة الانتظار، والمبادرة إلى المشاركة في الحياة العامة، وبناء مساراتها المهنية والسياسية على أساس العمل والتراكم والقدرة على تقديم البدائل.

أما الأحزاب، فعليها أن تدرك أن قوتها لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها، وإنما كذلك بنوعية القيادات التي تنتجها، وقدرتها على استيعاب الطاقات الجديدة، واستعدادها للتخلي عن الممارسات التي تعيق تطورها.

على سبيل الختم

لا أرى أن غياب وزير صحراوي هو المشكلة في حد ذاته، كما لا أرى أن تجاهل هذا الغياب هو الموقف الصحيح. المشكلة الحقيقية هي أن نحول الواقعة إلى فرصة لمساءلة أنفسنا وأحزابنا عن واقع المشاركة السياسية، وعن الأسباب التي تجعل بعض الكفاءات بعيدة عن مواقع التأثير، مهما بلغت مؤهلاتها.

إن المغرب يحتاج إلى نخب متجددة، وإلى أحزاب تستعيد دورها في التأطير وصناعة القيادات، وإلى ثقافة سياسية لا تمنح الأفضلية للقرب من مراكز النفوذ على حساب القدرة والاستحقاق.

لسنا في حاجة إلى حصة وزارية باسم الجغرافيا، بل إلى حياة سياسية لا تجعل الجغرافيا، أو الولاءات، أو ضيق الدوائر الحزبية، عائقاً أمام الكفاءة.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: من غاب عن الحكومة؟ بل أيضاً: من لم نمنحه الفرصة كي يصبح مؤهلاً للحضور فيها؟

وعندما نمتلك الشجاعة لطرح هذا السؤال بجدية، سنكون قد بدأنا بالفعل النقاش الذي نحتاج إليه: نقاش بناء النخب، وإصلاح الأحزاب، وتوسيع المشاركة، وترسيخ الاستحقاق باعتباره قاعدة للمسؤولية، لا مجرد شعار يرفع عند الحاجة.

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا