عبد العالي الصافي يكتب..الحماية الاجتماعية: مسارات متقاطعة والسرعة النهائية

ملف الحماية الاجتماعية كان دائما من المواضيع الحارقة، والتي تجادبها الفرقاء الاجتماعيين والسياسيين، تارة في إطار محاولات جادة وأطوارا في خضم الاستخدام السياسي والحزبي، بل وفي إطار الصراعات السياسية والاجتماعية وتسييد المعنى , بل هناك من يوظفها  بشكل فرجوي أو ما يعرف بالبروبكاندا , و دلك كله في مسارات متقاطعة .

فالدولة في العقدين الأخيرين دخلت في تجربة تقاسم الموضوع الاجتماعي مع مكونات المجتمع المدني , وخصوصا جمعيات القرب التي شجعتها و مولتها و فوضت لها جانب كبير من هدا الموضوع , لكن على ما يبدو أن هدا التفويض غير المشروط استنفد وجوده و لم يعد يجد نفعا استقالة الدولة من أحد أهم التزاماتها , خصوصا بعد الفشل الدي أبانت عنه هده التجربة من جهة و الاستخدام السياسي لبعض الجماعات و الأحزاب دات المرجعية الدينية , بل و ما أبانت عنه هده الأخيرة من منافسة شرسة للدولة في ميدان خصب و خطير في الان نفسه , و أيضا بعد انسحاب الأحزاب دات الحمولة الاجتماعية و بعدها المركزيات النقابية من الصفوف الامامية , هده المقدمة تمنحنا شرعية طرح السؤال المحوري التالي: هل هذا السخاء التشريعي مرده لسياسة اجتماعية محكمة تهم انتاج منظومة اجتماعية تقطع مع المقاربة الإحسانية و تؤسس لمقاربة مؤسساتية أم هي الأخرى تأتي في سياق مناسباتي أم أن الأمر يتعلق بصراع سياسي لضبط المجال الاحساني الدي سيطرت عليه الجماعات و الأحزاب الدعوية ؟

للإنصاف التاريخي , فان حكومة التناوب برئاسة المرحوم اليوسفي _رغم توجهاتها الماكرو اقتصادية التي إعطاء الأولوية للتوازنات الاقتصادية _ , بحكم مرجعيتها الاشتراكية قادت مجموعة من المحاولات , توجت بسن القانون رقم 00.65 بمثابة مدونة التغطية الصحية الأساسية الدي صدر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.02.296 بتاريخ 03-10-2002 و الدي ينص في مادته الثانية على أنه ”يسري التأمين الاجباري الأساسي عن المرض على : ……..-العمال المستقلين و الأشخاص الدين يزاولون مهنة حرة , و جميع الأشخاص الاخرين الدين يزاولون نشاطا غير مأجور ….”.

الا أن هدا النص بقي دون بعده الى حدود صور الوثيقة الدستورية سنة 2011 , حيث نصت في فصلها 31 على أن الدولة و المؤسسات العمومية و الجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات و المواطنين , على قدم المساواة , من الحق في : …..العلاج و العناية و الصحة و الحماية الاجتماعية و التغطية الصحية و التضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة , و كدلك أسند الفصل 71 منه هدا الاختصاص للقانون , بمعنى أنه اختصاص أصيل للسلطة التشريعية – البرلمان .

بقي هدا النص شعارا دستوريا الى أن بدأ النبش في رماده في بحر سنة 2015 عسى أن تنبعث منه نارا أو نورا , تكلل يوم 7 يناير 2016 حينما صادق المجلس الحكومي على مشروعي القان ورقم 98.15 و 99.15 المتعلقين على التوالي بإحداث نظام التأمين الاجباري الأساسي عن المرض و نظام المعاشات لفائدة فئات المهنيين و العمال المستقلين و الأشخاص غير الأجراء الدين يزاولون نشاطا خاصا , و هما المشروعان اللدان أخدا مسارا تشريعيا كلل بالمصادقة عليهما .

و بصدور الظهير الشريف رقم 1.17.15 بتاريخ 23-06- 2017بتنفيد القانون رقم 98.15 انعطف مجال الحماية الاجتماعية منعطفا تاريخيا سكون لا محاله , له ما بعده , لكن هل هدا قطع هدا القانون مع الماضي أم أنه يستدعيه من أجل شرعية معينة ؟ هدا السؤال تجيب عنه المادة الأولى التي جاء فيها أنه جاء وفقا لأحكام المادتين   2و 4 من القانون رقم 65.00 ولأجل إرساء قواعده التي ستسري على فئات من المجتمع تتوفر فيها الشروط المحددة وفقا للمادة 3 منه، يبقى السؤال ما هي الشروط التي تحدثت عنها المادة 3؟

للجواب على هدا السؤال نسرد جزءا من هذا النص: ”يخضع لنظام التأمين الاجباري الأساسي عن المرض المشار اليه في المادة الأولى أعلاه الأشخاص المنتمون لإحدى الفئات التالية، شريطة أن لا يكونوا خاضعين لأي نظام آخر للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض: -المهنيون المستقلون……’‘، إذن على ما يبدو أن الشرط الأساسي ومربط الفرس الدي يعتبر استثناء على القاعدة: التوفر على تأمين إجباري أساسي عن المرض.

و يستشف مما فصل أعلاه أن المهنيين المستقلين أو أصحاب المهن الحرة , معنيون بهذا القانون و كدلك بالقانون الاطار بعده كقاعدة و الاستثناء أن المهنيين الدين يتوفرون على تأمين اجباري أساسي عن المرض لا يشملهم هدا النظام .

الى حدود الان , القانون في صف المهنيين الدين لهم تأمينهم الاجباري الأساسي الخاص بهم , و احتمال فرض النظام المستحدث عليهم صعب بصريح النص , حيث أن الدولة ممثلة في وزارة الشغل من جهة تتشبث بقراءتها و ضرورة خضوع الجميع له و ليس هناك استثناءات و أصحاب المهن الحرة المشمولين بنظام خاص بهم و الدين يتشبثون بقراءتهم الصحيحة للمادة 3 و يقولون أنهم مستثنون بصريح القانون , بقي النقاش هل نظامهم اجباري و أساسي أم اختياري أو تكميلي , و بقي الوضع في حالة ”اللوم بارا” كما يسميها الفرنسيون أي معلقا , الى حدود إعادة ترتيب الدولة لأولوياتها و تسلق الملف الاجتماعي السلم و تبوأه الصدارة , فأصبح ملفا يشم منه رائحة سياسية و سيادية , حيث أن الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2020 أكد على ضرورة ضمان الحماية الاجتماعية لجميع المغاربة , و سيشمل هدا التعميم حسب الخطاب الملكي أولا التأمين الاجباري عن المرض و التعويضات العائلية , ثم سيتم تمديده ليشمل التقاعد و التعويض عن فقدان الشغل , هنا وصلنا الى النقطة و الرجوع للسطر, بمعنى أن هدا النقاش أصبح جزء كبير منه متجاوزا , دلك أن القانون الاطار رقم 21.09 المتعلق بالحماية الاجتماعية أحال في هده النقطة في مادته الخامسة على القانون رقم 98.15 بالنسبة للمهنيين و العمال المستقلين و الأشخاص غير الأجراء الدين يزاولون نشاطا خاصا , بل تحدث عن ما أسماه التنزيل التام لهدا التأمين , هده الفقرة التي أراد منها واضعوها انهاء النقاش العمومي المطروح و الحسم فيه عبر الالية التشريعية , خصوصا و أن المواد 11 و 12 و 13 منه تتحدث على مجموعة من الاليات لإنجاحه نخص بالدكر التضامن بين-مهني , أي أن المهن الميسورة تتضامن مع المهن المعسرة أو التي في وضعية صعبة أو هشاشة , ثم أ، التمويل سيكون من خلال الاشتراكات بالنسبة للمهن الميسورة بين مزدوجتين , فيما سيتم الأداء من طرف الدولة و التحصيل الضريبي و مدخرات صندوق المقاصة بالنسبة للباقين , و بالتالي يستشف أن الدولة تراهن على تمويل فئات معينة من المهن , و حينما نتحدث على الرهان فمعنى دلك أنه لا يهم ان كنت تتوفر على تأمين تتوفر فيه الشروط المذكورة أعلاه من عدمه بقدر ما يهم إنجاح مشروع وطني يراهن على التضامن بين الأنساق المهنية ها من جهة و من جهة أخرى فان الرهان أيضا على صندوق المقاصة و الدي يوحي بإصلاح عميق على الأبواب لكي يستطيع أن يضطلع بالمهام الاجتماعية الجديدة المرتقبة.

لكن يبقى لنا كل الحق في طرح بعض الأسئلة التقنية :

ألا تتعارض المادة 5 من القانون الاطار رقم 09.21 مع المادة 3 من القانون 98.15 المحال عليها ؟ ألم يكن على المشرع أن يضيف فقرة في المادة 5 من القانون الاطار تستثني الفئات التي لها نظام تأمين اجباري أساسي عن المرض , حتى تكون منسجمة مع المادة 3 من القانون 98.15 أو أن يتم نسخ هده الفقرة من المادة 3 بمقتضى القانون الاطار ؟ ألا يرى المشرع أن التضخم التشريعي يساهم في الارتباك و التناقض في بعض الأحيان , الشيء الدي قد يضعنا في مطب دستوري يتجلى في طرح سؤال أي القانونين أجدر بالتطبيق و كدلك نقاش فقهي بخصوص تراتبية القوانين و تدرجها و سمو بعضها على البعض , و هي الإشكالية التي لا يجيب عنها الدستور خصوصا فيما يتعلق بالقانون من جهة و القانون الاطار من جهة ثانية و القانون التنظيمي من جهة ثالثة ؟

     

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...