أمينة غلاض تكتب..التعليم عن بعد مع الدخول المدرسي الواقع ..والأفق

التعليم عن بعد برنامج تعليمي، نهجته وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي، بهدف تعويض التعليم الحضوري خلال الظروف الاستثنائية التي عاشها المغرب كما العالم قاطبة مع انتشار فيروس كوفيد-19، وكحل بديل للتعليم المعتمد في المؤسسات التعليمية عبر إدماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال وتقنيات تفاعلية متنوعة؛ يتلخص عموما في رزنامة من الحوامل البيداغوجية التربوية الرقمية من وسائل التواصل الاجتماعي (واتساب- فايسبوك) أو عبر وسائط معتمدة وزاريا (منصات رقمية تيمز Teams- تلميذ تيس Telmid tice – قنوات تلفزية وطنية).

غير أن مجموعة من التساؤلات تطرح نفسها وبإلحاح شديد: هل يستطيع التعليم عن بعد أن يكون بديلا عن التعليم الحضوري الذي اعتاده المعلم قبل المتعلم؟ وهل الظروف فعلا ملائمة لنجاح هذه العملية التعليمية التعلمية؟

مما لا شك فيه أن التعليم عن بعد له إكراهات تحول دون الاعتماد عليه في الظرفية الراهنة كبديل للتعليم الحضوري لعدة أسباب من أهمها: ضعف تكوين الأطر التربوية وتأهيلها للتعامل مع التكنولوجيات الحديثة التي تخول لهم إنجاز دروس وفق المعايير المعتمدة، كي تتحقق نجاعة المهمة المنوطة بهم، دون أن نغفل أيضا أن المتعلم هو أيضا يعاني من ضعف التكوين في استعمال هاته التقنيات. ولا ننسى أن غالبية نساء ورجال التعليم كانوا يطالبون باستمرار بإدماج التكنولوجيات الحديثة كوسيلة تعليمية مع ضرورة التكوين المستمر قصد التمكن من استعمالها وفق ما يقتضيه التطور التكنولوجي والمعلوماتي.

ظرف الجائحة كان مفاجئا

أكيد أن ظرف الجائحة كان مفاجئا، مما أدى بالوزارة الوصية إلى اعتماد التعليم عن بعد حلا بديلا؛ مما أدى إلى انخراط نساء ورجال التعليم في هاته العملية التعليمية والتعلمية والبحث عن بدائل رغم بساطتها. فكانت الوسيلة الأسهل والأقرب إلى التلميذ هي الواتساب لصعوبة الولوج إلى المنصات المعتمدة وزاريا بسبب الجهل بكيفية التعامل معها أو لحاجتها لصبيب عالي. وهذا يجعلنا نقف وقفة تأمل لنتساءل إن كان المعلم والمتعلم على السواء يتوفران على هواتف تفي بالغرض؟ وهنا لابد من إثارة بعض الحقائق التي لا يجب إغفالها. فأبناء الفئة الهشة لا يتوفرون على هواتف ذكية تستطيع تحميل أو قراءة الدروس ولو بتقنيات بسيطة معروفة Power point أو PDF ناهيك عن صبيب الأنترنيت الضعيف الذي عانى منه غالبية التلاميذ، رغم المطالبة المستمرة للآباء والتلاميذ والأطر التربوية والفدرالية الإقليمية لجمعية أمهات 

وآباء وأولياء تلاميذ التعليم العمومي والخصوصي بتخصيص ولو حيز زمني لجعله مجانيا خلال فترات يومية محددة…

تدقيقات أخرى كثيرة فرضت نفسها أيضا خلال هذه العملية. فتلاميذ التعليم الأولي حرموا من الحصص الدراسية، وتلاميذ المستوى الابتدائي لم يكن لهم حظ أحسن منهم خاصة أن أكثر المواد بالنسبة لهذا المستوى تعتمد على مهارات مرتبطة بالتلقين الحضوري والتفاعلي من كتابة، وخط وتواصل /l’expression orale/ la communication/la dictée) الإملاء/الخط(.

فهل هاته الفئة العمرية مؤهلة لذلك وتستطيع الانضباط أمام شاشات الهواتف باستقلالية تامة؟ أم سيضطر الآباء أن يصبحوا حلقة وصل بين المدرس والمتعلم؟ وهل كل الآباء متعلمون؟ وهل كل الآباء على   استعداد حضوري لمواكبة هذه العملية مع أبنائهم؟ فبعض الآباء يشتغلون، هل سيلتزمون إذن حضوريا مع أبناءهم أم أنهم سيحرمونهم من هاتفهم الشخصي إذا اضطروا للتغيب بسبب أو بآخر؟

وفي مثل هذه الظروف (غياب/ حضور أولياء الأمور جنبا إلى جنب مع أولادهم) هل يستطيع المدرس تقويم أو تقييم الكفايات التواصلية المنشودة مع مراعاة تكافؤ الفرص لجميع المتعلمين؟

ناهيك أن بعض الأسر لها أكثر من ابنين يتابعون الدراسة في مستويات مختلفة. فهل وجب توفير هاتف ذكي أو حاسوب لكل ابن؟ خاصة إذا كان المتعلم يتابع دراسته العليا (ولا ننسى أن الكثيرين من الطلبة قد اجتازوا امتحاناتهم الجامعية عن بعد)

من بين الوسائل التي اعتمدتها أيضا الوزارة الوصية القنوات التلفزية. وقد كان واضحا اختلاف البرامج بين مقررات المدرسة العمومية والقطاع الخاص. فغالبية الدروس كانت موجهة بالخصوص للقطاع العام، وفي مضامين محددة وليست في المقرر بأكمله. علما أن المدرسة العمومية هي أيضا تعتمد على مراجع وكتب مدرسية تختلف من جهة إلى أخرى بل ومن مؤسسة إلى أخرى. 

وماذا بعد؟!

الأكيد أن الدخول المدرسي المقبل سيعرف ارتباكا مثيرا، وتعثرات في السير العادي للدروس. ولكي لا تذهب سدى جهود كل الفاعلين في المنظومة التربوية، لابد من الوقوف على مجموعة من المقترحات واتخاد مجموعة من التدابير التي قد تخرجنا من نفق مظلم لازال يطاردنا فيه شبح تفشي فيروس كوفيد-19. وتجعل من التعليم آلية تستجيب ومتطلبات الوضعية الراهنة.

فمن الضروري محاولة إدماج تلامذة المغرب المنسي في هذه العملية التعليمية التعلمية وذلك بتوفير البنية التحتية المناسبة. وهذا لن يتأتى إلا بالدعم اللوجيستيكي الذي تشارك فيه العديد من الأطراف إلى جانب الدولة، من جماعات ترابية ومجتمع مدني. وذلك بتوفير وسائل الاتصال من لوحات رقمية tablettes أو هواتف ذكية على الأقل، خاصة لتلاميذ الأسر المعوزة، كي تضمن مبدأ تكافؤ الفرص بالنسبة للجميع، مع التأكيد على المطالبة برفع صبيب شبكة الأنترنيت وتوفيره مجانا ولو لمدة زمنية محددة يوميا، ما قد يجعل من شركات الاتصال هاته شركات 

مواطنة تؤمن بقيمة التضامن والتكافل خلال فترات الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية

أيضا لابد من التفكير بشكل جدي في التكوين المستمر لتأهيل الأطر التربوية والتلاميذ في مجال استعمال التكنولوجيا الحديثة، كي يستطيعوا مواكبة تجربة التعليم عن بعد والمحافظة عليه كوسيلة تكميلية وليست بديلة للتعليم الحضوري. دون إغفال إشراك كافة الفاعلين في اتخاد القرارات الخاصة بالمنظومة التعليمية والتربوية بعيدا عن الارتجالية والحلول الترقيعية. 

                                                        

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...