فؤاد انكوى من حرقة الفراق..عينان تحجرت فيهما الدموع حتى احمرت واحترقت الأهداب من شدة الانتظار. إنها الحسرة تحاصر كل كيان على حلم ضاع بين ليلة وضحاها. انتظار تمدد مداه بفعل إشاعات أولى عن وباء ينتشر في كل بقاع العالم كنار تلتهم الهشيم .
داعت الإشاعة وراح الوباء يحصد الأرواح من المحيط إلى المحيط .انكسرت أجنحة الريح واستوت على الأرض . الوباء قهر كبرياء العظماء وساوى بين الضعيف والقوي وبين الغني والفقير. فهو أقوى وأعتى من الجميع…..
ولج باحة المطار مهرولا . أشاح بوجهه نحو مواقيت إقلاع الطائرات ، يبحث بلهفة عن رحلته المعلنة ، يناوب بين شاشة المطار و ساعته اليدوية …
و بعد حيرة و أخذ ورد و سؤال هنا و هناك ، تنفس الصعداء بعد أن أشرت له إحدى الشقراوات القابعات وراء شاشات الحاسوب على أن رحلته لن تبدأ الآن …و تأكد بأنه وصل قبل الرحلة بثلاث ساعات…
اتجه صوب مقصف المطار ليرتشف فنجان قهوة في انتظار حلول موعد الإقلاع ..تذكر الكمامة ازاحها عن فمه وهو يبحث عن مكان آمن يحترم فيه إجراء التباعد الجسدي.. تشابكت صور الذكريات و تداخلت . بيت من طين مسيج بنبتة الصبار و أشجار التين والزيتون…أم مريضة … وحدة مدرسية معزولة … مستقبل سديمي يرسمه مسار طويل … يذهب وحيدا بينما إخوته يشقون الأرض لينبت الزرع ..
أب صارم لم يقبل أن تتابع أخته دراستها التزاما بتقاليد البلدة … حلم تحقق … تخطى كل الحدود ، فوصل الضفة الأخرى و تابع دراسته. أحس بألم الغربة . سنوات طويلة لم يزر البلدة . حنين جارف و أسئلة حارقة . كيف حال إخوتي؟ كيف هي أحوال البلدة ؟
استنفره صوت المضيفة وهي تعلن موعد الاركاب ، جر حقيبته ،أسرع الخطى بلهفة ، صعد الطائرة و أخذ مكانه بين المسافرين …
وصل البلدة … الأب ترك الأم المريضة و تزوج شابة تصغره بعقدين ، الأخت تزوجت بعد وفاة الأم بحارس عمارة بالمدينة يعود إلى البلدة عند مستهل كل شهر . أخواه هاجرا إلى المدينة بعد زواج الأب . أحس بالوحدة ، لم يكثرت أبوه لمجيئه .غاب الحضن الدافئ .ذابت خيوط الحنان . جلس قرب الفرن يبكي ، يشم رائحة أمه و دخان خبزها الساخن …
ها أنا عدت .آسف لتأخري ، لم يكن بمقدوري زيارتك .كان علي أن أدرس و أن أعمل في المقاهي ، أفترش العراء ، أجوع و أشقى و أعود إليك بالحلم .منزل جميل بحديقة غناء .
أعرضك على أمهر الأطباء . أراك تمسحين خصلات شعر حفيدتك و تضيفين من حققت حلمي بأوراق الإقامة الرسمية . تشكرينها أن اعتنت بابنك ورعته حتى عاد إليك رغم حصار الوباء الذي حال دون أن يراك ويودعك الوداع الأخير….
البلدة مقفرة ، هجرها كل الأصدقاء ومسحت كل معالمها جرافات الزمن. غمره إحساس باليتم و اليأس. امتلكته الرغبة في العودة من حيث أتى و مغادرة البلدة إلى الأبد …



