“على شاطئ البحر: أربعة، خمسة، سبعة يسقطون على الرمل. والبنت تنجو قليلا، لأن يدا من ضباب
يدا إلهية أسعفتها. فنادت: أبي…
يا أبي. قم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا.”.
محمود درويش.

حس بنفسه حشرة تدعس تحت الأحذية المطاطية الخشنة وهو يشاهد التلفاز عندما انطلقت رصاصة الجندي المتمرس خلف الحواجز واخترقت جدار التلفاز لتصيب رأس طفلته الرضيعة المستلقية على الأريكة الصفراء.
أصبح حشرة، ذبابة ربما، عندما طن في أذنه زعيق فتاة تولول.
كانت هناك، على شاطئ البحر تقطع المسافة الفاصلة بين شظايا طفل مسجى على الرمال وبين جثة رجل عيناه مفتوحتان ملء السماء وبين امرأة أطرافها في جهة وأطرافها الأخرى في الجهة الثانية.
كان زعيقها وصراخها وبكاؤها يملأ الكون، يخترق السكون ويغتال أصوات النوارس التي ما عادت تبحر في الأجواء:
– يا بـا ااااااه.. يا بـا ااااااه..
كانت تجري، تقفز، تتعثر وتسقط وتقوم، ثم تجري ثانية بدون اتجاه، لا تلوي على شيء. تقع فوق الجثة هنا، تقف تقع فوق جثة أخرى هناك.
تلثم وجه أخيها الرضيع بالقبلات، تهدهد مهده عله يشرق بابتسامة ندية أو يصدر آهة أو تنهيد. تحضن بحرارة صدر أبيها البارد كالثلج عساها تعيد إليها الخفقان فيحضنها بيدين قويتين، ثم يبتسم لها تحت شاربيه الكثين وهو يمرر أصابعه الخشنة في أيائك شعرها المخملي.
لكن، لا حركة. تقفز هلعة عندما تجد رأس أمها إلى جانبها، تشهق، تخور كحمل مذبوح من الوريد إلى الوريد، تتماسك ثم تبدأ عملية البحث عن العناصر المفقودة كما لو أنها تتهيأ للعب “البوزل”.
تولول عندما تريعها الدماء وحجم الخراب والموت المنتشر في الجوار. الدماء في كل مكان، على الرمال، على الأجساد، على جبهتها السمراء، وفي يدها الصغيرتين المرتعشتين. تلطم خدها، تشق ملابسها، تنفش شعرها ثم تنثر الرمال على الشعر كالحناء…
– غداً… غداً… غداً…
قالت لها أمها قبل دقائق وهما تنظران إلى البحر الأزرق الواسع:
– غداً حبيبتي تبرعم الأزهار على هذي الرمال، ويثور الأقحوان وشقائق النعمان، وتكسر الفراشات الخضر والحمر والزرق والصفر أقفاصها النتنة وتحلق في كل مكان. وغدا يغرد العندليب فوق النخيل، ويملأ عبق الحبق والنوار خياشيمنا التي أفسدتها روائح البارود والرصاص.
غداً يبحر السندباد في رحلته الأخيرة نحو الأمل الموعود. غداً سنعود إلى هنا.. سنعود إلى التينة والزيتونة والبرتقالة.
– آه…(تصرخ..): يا بـاااااااه…
تولول.. وخلف الشاشة كانت الحشرة تنظر بلا وعي، بلا حركة إلى شيء ما… إلى الفراغ.
أصبحت الحشرة ذبابة تقطع هذا الدمار ذهاباً وإياباً…
تحول حول المنازل المهدمة…
وحول الجثث المحترقة…
وحول الجثث المذبوحة…
وحول الجثث المفصولة…
أصبحت ذبابة مفصولة؛ جناحاها هنا، وهناك الرأس، وعينها الشمال فوق غصن هنا واليمنى فوق غصن هناك، وأحشاؤها موزعة على عجل في جهات الأرض الأربعة المباركة.
استجمعت عناصرها…
قالت: اجمعي.
فاجتمعت، أتتها من كل فج عميق.
تنقلت من جثة إلى جثة إلى جثة. حطت بداية على جثة عجوز محترقة، بكت بحرقة. كانت تبكي فيها طفلتها الرضيعة…
ثم حطت على جمجمة طفل مهشمة، بكت بحرقة، كانت تبكي فيها طفلتها الرضيعة المستلقية على الأريكة الصفراء…
ثم حطت على ساق رجل كهل ملقى كما شاء، بكت بحرقة… كانت تبكي فيها طفلتها الرضيعة المستلقية على الأريكة الصفراء قبالة التلفاز…
ثم حطت على صدر امرأة مخروم التفاصيل، مشوه التضاريس، وبكت بحرقة… كانت تبكي فيها طفلتها الرضيعة المستلقية على الأريكة الصفراء قبالة التلفاز الذي اخترقته رصاصة.
ثم حطت على خوذة جندي، تسللت إلى جبهته، ثم إلى عينه…
فقأتهما.
لوح الجندي بكلتا يديه في الهواء كالمجنون أو كالذي به مس… سقطت الحشرة، اصطدمت في قوة بالأرض الجرداء ولم تستطع الطيران…
دعستها الأحذية المطاطية الخشنة.
……………………….
………………………
………………………………
……………………….
أحس بنفسه حشرة مرة ثانية وثالثة وعاشرة وألفا… وكان ما يزال ينظر أمامه.. وكان الجندي ما يزال يدعسه… وكانت الرصاصة ما تزال تنطلق من خلف جدار التلفاز لتصيب رأس طفلته الرضيعة المستلقية على الأريكة الصفراء، وتحدث ثقبا عميقا في
جُـ
ـمْـ
ـجُـ
ـمَـ
ـتِـ
ـه.



