كريم الصامتي يكتب..التلقي عند السفسطائيين وأرسطو ..إرهاص أول في مسار تشكل المفهوم

*باحث في الفلسفة والأدب العام والنقد المقارن
سأحاول تقفي مسار مفهوم التلقي في الفكر السفسطائي، والفكر الفلسفي الأرسطي، قبل أن يتبلور هذا المفهوم كنظرية بدأت تتضح معالمها مع رواد مدرسة كنسطانس منذ منتصف القرن العشرين بألمانيا (1). ونخص بالذكر كلا من فولفغانغ إيزر وهانز روبيرت ياوس، لتتسع بعد ذلك دائرة انتشارها وتدخل الساحة النقدية منذ القرن العشرين، باعتبارها منهجا لإعادة النظر في القواعد القديمة، وتقويم الماضي عن طريق إعادة تشكيل النظرية الأدبية، وصرف الانظار عن المؤلف والنص وتركيزها على علاقة النص/القارئ (2).
لقد اعتبر السفسطائيون أن الإداراك الحسي هو أصل المعرفة، فما يظهر لحواسي على انه حق تماما هو كذلك. وهم لا يقصدون مطلق الحواس الفردية، أي الحواسفي علاقتها بالذات. وبما أن الحواس لا تنتج إلا أشباحا زائلة، لكون المحسوسات في تغير مستمر. فقد اعتبروا أن مقياس التغير هو ما يظهر لحواسي في لحظة زمنية محددة. وانطلاقا من هده الرؤية هاجم السفسائيون بارمنيدس* الذي دعا إلى المعرفة العقلية التي تجعل المظاهر الحسية أثرا لحقيقة معقولة لا تدرك إلا بالعقل، واعتبر أن الحكيم يأخذ بالأولى ويعول عليها كل التعويل، ثم يلم بالأخرى ليقف على مخاطرها ويحاربها بكل قواه (3)، على اعتبار أن المعرفة لديه نوعان:عقلية، وهي ثابثة وكاملة، ومعرفة ظنية قائمة على الحواس.

إلا أن السفسطائيين اعترضوا على الأمر وقدموا بديلا معرفيا يستند إلى خبرة الحواس في الإدراك، موضحين أن عمل الحواس ليس عملا وهميا كما رأى بارمنيدس. إذ اعتبر بروتاغوراس** بأن لا شيء يدركه الإنسان خارج أحواله الخاصة، والتي لا يشاركه فيها أحد، وبالتالي كون كيفيات الأشياء تابعة لأحوال الأشخاص. ومن هنا لا يمكن الاتفاق على كيفية واحدة. فالبارد بالنسبة لشخص يمكن ان يكون حارا بالنسبة للىخر، كما أن الشيء الواحد يدرك بكيفيات مختلفة تبعا لاحواله المتغيرة. من هنا جاءت قولته الشهيرة: “الإنسان مقياس الأشياء جميعا، وهو مقياس ما يوجد منها ومقياس ما لا يوجد” (4). ويقصد أنه على الإنسان أن يهتم اولا وقبل كل شيء بالأشياء التي تمثل أمام تجربته، فيعين طبائعها وخصائصها، ولا يراعي ما لا يمثل في تجربته، وهو لا يعني إلا التجربة الحسية (5).
يبدو أن السفسطائيين كانوا يرجحون الظن، وهو الوجه الآخر للحقيقة – ويفيد لديهم التأويل- وجعلوه مدخلا أساسيا لتحقيق غرضهم، وهو جعل المحتمل حقيقة واقعية عن طريق التأويل. وعلى هذا الأساس نشطت فلسفتهم الاقناعية معتمدين على فن الخطابة التي تهدف إلى إقناع الآخر وإبراز دور الذات في إنتاج المعنى، لأن الإحساسات صادقة، وهي معيار الحقيقة، ولان الوجود متوقف على المدرك، ولأن المعرفة نسبية.

إن إعطاء الحق للمتلقي في إنتاج المعنى والحق في التأويل هو ما يجعل التقاطع بين نظريتهم في الخطابة ونظرية التلقي الحديثة بارزا، فهذه الأخيرة تنادي أيضا بدور المتلقي في إنتاج المعنى، ولا تلزمه بإنتاج معنى يشابه معنى آخر. على هذا الأساس يتضح أنالسفسطائيين ركزوا على الذات في تشكيل الأشياء، وافترضوا أن الأشياء متغيرة، وأن إدراك هذا التغير هو إدارك نسبي، لكونه مرتبطا بحواس الإنسان. وقد طبقوا هذه التصورات في ميدان الخطابة.
لقد وضع السفسطائيون في تأسيسهم لفن الخطابة المتلقي في الطرف الغائي منها،إذ كانت غاية الخطابة عي إقناع المتلقي. فالخطابة كما يرى جورجياس*** هي فن القول الذي تكون غايته الإقناع، وهو يعني بذلك أن الخطابة مؤسسة عل بنيات ذات أشكال مؤثرة في المجتمع، لأن غايتها إقناعه ببنيات مصاغة أصلا لتحقيق الاستجابة. ومن هذا المنطلق أبرزوا الجانب العاطفي في القول عن طريق التلاعب باللغة، والبرهنة على المظنون أو المحتمل بواسطة اللغة حتى يتخذ ريق البرهان الذي يقتنع به المتلقي.
هكذا يكون صائغ الخطاب هو من يمتلك أدوات الإقناع ويبثها في نصه. إلا أن دور المتلقي لا يغيب عن هذه العملية، إذ إن الإقناع الذي يقصده المبدع يقتضي معرفة ميكانيزمات التلقي، ونقصد بها معرفة ثقافة ومستوى المحيط الإجتماعي للمتلقي. وهذا ما ذهبت إليه نظرية التلقي الحديثة، وهو الكشف عن دور المتلقي في تفسير/تأويل الإنتاجات الأدبية والمعرفية وفق مجموعة من العوامل المتصلة بطبيعة ووعي القارئ/المتلقي وعصره وثقافته (6).
بهذا المعنى يكون السفسطائيون قد حفزوا مقدرة التأويل عند المتلقي، ووضعوا أول محاولة لفهم المعنى على أساس نسبي وبالتالي فلا معنى بدون موضوع من جهة، وذات المتلقي من جهة أخرى. فالسفسطائيون بناء على هذا التصور كانوا ذوي استراتيجية ناجزة تأخذ بعين الاعتبار توقعات حركة الآخر، مع العلم أن خطابهم لعبة نحوية، تركيبية، دلاليو، تدولية، يشكل تأويلهاالمحتمل جظءا من مشروعها التكويني. فالسفسطائي عندما يصوغ خطابه فإنما يصوغ فرضية حول تصرف متلقيه.
انطلاقا من هذا الطرح طور السفسطائيون نمطا من الخطابة كان مبنيا على معرفة الذات في أي منوق لغوي، ومن ثمة أكدوا على نسبية المعنى في أي تركيب يصف الأشياء. ويعني ذلك أن التأويل المقصود يقوم به المتلقي الذي أصبح له دور أساسي في تكوين معنى، أي منطوق يصف العالم الخارجي. ولهذا اعتبروا أن الإنسان مقياس كل شيء. ومنه اعتبر اللغة تتشكل وفق نظام يقصد به إحداث التأثير فالاستجابة فالاقناع.
نستنتج مما سبق ان المدرسة السفسطائية أولت أهمية كبرى للمتلقي في بناء الخطاب، ولكن من خلال التأثير عليه بواسة آليات الخطابة، من تجميل للكلام وتنميقه والتلاعب باللغة. وهو ما دفع بأفلاطون إلى اعتبارهم يضعفون المتلقي ويخدعونه بتلاوين العبارات وتقلباتها. وهي نفس الخلفية التي جعلت أفلاطون يطرد الشعراء من جمهوريته لأنهم لا يستحقون – في نظره- الإنتماء إلى المجتمع المثالي الذي نظر له، فهم ليسوا غير ناظمي روايات خيالية (8) مؤثرين بها تأثيرا سلبيا على البشر.
يمكن أيضا أن نتقصى أثر مفهوم التلقي عند تلميذ أفلاطون،ونقصد أرسطو الذي يحضر مفهوم التلقي لديه من خلال مفهوم آخر وهو “التطهير”، وقد تحدث عنه في كتاب “فن الشعر”، ولم يقف عند كونه علاجا، بل وسيلة من وسائل تحقيق المتعة لدى المتلقي. وقد كان يعتقد أن مصدراللذة الحقيقي يكمن في التحولات والتفرعات التي تحدث في العمل المسرحي. ومن هنا كان يعجببالتغيرات التي كانت تحدث في مسرحية “أوديب ملكا”لسوفوكليس. والتغيير الذي يعنيه أرسطو، إنما يتوخى منه تغييرا لدى المتلقي، وهو ما يقصد بالتطهير الذي لا يحصل إلا من خلال التاثير والاستجابة عند المتلقي.
يبدو أن اهتمام أرسطو بالمتلقي في المسرح خصوصا هو اهتمام ذو غاية تقوم على تخليص الإنسان من المشاعر الضارة، أي تطهيره منها. وهذا التطهير لا يحدث إلا من خلال فهم المتلقي للأحداث التي تقع أمامه، واعتماده تأويلها أحيانا، وبالتالي يتخذ التطهير معنى معرفيا أعمقَ. لهذا كانت الاستجابة عند أرسطو جزءا أساسيا من بنية العمل الادبي، بمعنى أن البنيات التي يوظفها الفنان/المبدع عند أرسطو يجب أن تسعى لتحقيق هذه الاستجابة، ومن ثم تكون “النظرية القديمة” للتلقي تبحث في وسائل تمكين المرسل من صوغ خطابه، وتسعى إلى المحافظة على المعنى الذي حاول المرلف أن يوصله إلى المتلقي.
إن النظرية الحديثة لم تبرز المكانة الأساسية التي يحتلها المتلقي كمتأثر بالعمل الإبداعي فقط، وإنما أبانت أيضا عن دوره في تشييد هذا العمل، فأهم شيء هوالمشاركة الفعالة بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ/المتلقي، الذي يخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة،أي تحقيقه ذهنيا عبر استيعابه وفهمه وتأويله، انطلاقا من تجربة القارئ الوجدانية والإجتماعية، وبنياته الفكرية وقدراته الخيالية. وبذلك يبحث عن “بنائه ومركز القوى فيه وتوازنه، واضعا يده على الفراغات الجدلية فيملؤها عن طريق استجابات الإثارة التي تحدث له” (9).
1- عبد الله ابراهيم، المركزية الغربية، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1997، ص358.
2- حافظ اسماعيل العلوي، مدخل إلى نظرية التلقي، علالمات في النقد، المجلد العاشر، 1999، ص ص86،34.
3- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، دارالقلم، بيروت لبنان، الطبعة الاولى، 1977، ص28.
*حكيم يوناني ولد في إليا سنة 540 قبل الميلاد.
** شيخ السفسطائيين ولد في أدير عاش في القرن الخامس قبل الميلاد.
*** أحد المعلمين السفسطائين ولد في ليونتيوم سنة 480 قبل الميلاد.
4- يوسف كرم، مرجع سابق.
5- نجيب بلدي، دروس في تاريخ الفلسفة اليونانية، إعداد الطاهر واعزيز وكمال عبد اللطيف، دار تةبقال للنشر، الطبعة الأولى 1987، ص65.
6- ضياء خضر، مكانة المتلقي في الادب المقارن، علامات في النقد، المجلد العاشر، الجزء 34، 1999، ص102.
7- عبد الله ابراهيم، التلقي والسياقات الثقافية السرد أنموذجا، علامات في النقد، المجلد العاشر، الجزء 34،1999، ص 85.
8- أفلاطون، الجمهورية، ترجمة حنا خباز، دار القلم، ص66.
9- نبيلة ابراهيم، القارئ في النص: نظرية التأثير والاتصال، مجلة فصول، المجلد الخامس، العدد 1، 1984، ص103.
10- أرسو، فن الشعر، ترجمة ابراهيم حمادة، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1989.
11- Hans Robert Jauss : pour une Esthétique de la Recéption : Gallimard. Paris, 1978.
12- L’encyclopédie Libre : htt://fr.wikipedia.org


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...