عبدالله ستيتو باحث وناقد من القنيطرة يكتب..درس الفراولة في زمن كورونا

استفادة من هذا الدرس المرير، وللخروج من هذه الوضعية وتجلياتها العاصفة بالقيم الإنسانية للمجتمع المغربي، وتفاديا لهوة الاقتصاد الموجه، لا بد من إعادة النظر في النموذج التنموي المنشود لمغرب الغد، مغرب ما بعد كورونا. يكون قاطرته الإنسان باعتباره عصب التنمية

حبان لا يجتمعان، حب الفراولة بلونها المغري وشكلها الجذاب، وجمع المال على أكتاف العذارى والأرامل وذوي الحاجة. إنها المفارقة العجيبة التي وقعت على مرأى ومسمع الرأي العام ، الذي وقف مشدوها لهول ما وقع من تداعيات انتشار عدوى صاحبة التاج، التي حيرت العالم وشلت أعتى اقتصاداته في جميع المجالات المنتجة للرأسمال.

لم يكن أحد يتصور هول الكارثة التي أحدثها موسم جني توت الأرض وهو في ذروة عطائه، وحتى أصحاب الرأسمال أنفسهم المستثمرون في المجال خانتهم حساباتهم الاقتصادية ، وأعمت بصيرتهم ليصبح الإنسان عندهم أذل خلق الله في أرضه، وهو الذي خلقه في أحسن تقويم. ليتم استغلال ضعفه وقلة ذات اليد لكونه يبحث عن أنصاف الحلول وأقلها ضمانا لاستمرارية نسله ووجوده. إلا أن الحق يعلى ولا يعلى عليه

في غفلة من جشع الباطرونا ورأسمالها ، انفجرت بؤرة الوباء في عقر دارها ، فضحت ممارساتها اللاإنسانية التي تعامل بها الأجراء من مختلف الأعمار، خاصة في صفوف النساء التي ما فتئت المنظمات الحقوقية الدولية منها والوطنية، تنصص في بنوذها ومواثيقها على احترام النوع الاجتماعي وتبويئه المكانة التي تليق به لأنه قاطرة المجتمع. إلا أن إرادة الرأسمال تسبح ضد التيار وتفرمل كل الأصوات المطالبة بالحق في العيش الكريم والحياة الفضلى.

إن الانفجار الذي أحدثه كوفيد 19، في منطقة الغرب ، أصاب بشظاياه قاعدة عريضة من النساء امتد  إلى أسرهم . أسال مداد الكثير من الكتابات في صفحات التواصل الاجتماعي والجرائد الإلكترونية ، كما أن السلطات الوصية على صحة المواطنين بدورها أدلت بدلوها في الموضوع، وأصبح شأنا عاما يتداوله الصغير قبل الكبير، العامة قبل المثقف. إنه أمر بالقوة جدير بالاهتمام. هناك من استنكر وشجب، وآخر تضامن وتأسف لما آلت إليه أوضاع الساكنة الصحية والنفسية . لكن لا أحد تساءل عن المابعدية ، وهو سؤال وجودي يطرح نفسه بإلحاح الآن واللحظة. ما هو الدرس الذي يجب استخلاصه من الأزمة الكورونية وما بعدها؟ علما أن الوباء سيتم محاصرته والتحكم فيه بالطرق المتاحة.

كورونا أمر واقع فرضته الطبيعة، ونحن بحكم تمثلاتنا الذهنية نذهب بالقول ” رب ضارة نافعة” لماذا؟ لأنها سترجعنا لجادة النقاش لواقع يتسم بالاستغلال البشع ، ولحجم الخروقات التي يشهدها مغرب القرن الواحد والعشرين. مغرب قدم تضحيات تلو الأخرى من أجل استقلال استقلاله، وكرامة مواطنيه. كما أن هذا الضر كشف القناع عن وهم المقولات  القطعية للرأسمالية، وفضح واقعها المتجلي في الاستثمار ومراكمة الثروة على حساب ما راكمته الشعوب من نضالات كونية في مجال احترام حقوق الإنسان ومستوى عيشه الكريم، وهذا الامتداد البشع للرأسمالية خارج حدودها، أبرز بالملموس عمق المأساة لمنطقة ترابية بأكملها على طول ساحل اللوكوس الغني بأراضيه الخصبة، وبموارده الفلاحية، وغير منخرط في تنمية المنطقة ورفاه ساكنيها. لأنه ببساطة يتم تحويل الرأسمال إلى الضفة الأخرى، مما يوسع هشاشة الإنتاج المحلي الموجه إلى السوق الداخلية، مساهما بشكل غير مباشر في تفكيك الاقتصاد الوطني وترهله، والحصيلة إنتاج جيش من المهمشين والمحرومين.

استفادة من هذا الدرس المرير، وللخروج من هذه الوضعية وتجلياتها العاصفة بالقيم الإنسانية للمجتمع المغربي، وتفاديا لهوة الاقتصاد الموجه، لا بد من إعادة النظر في النموذج التنموي المنشود لمغرب الغد، مغرب ما بعد كورونا. يكون قاطرته الإنسان باعتباره عصب التنمية، بتحسين شروط عيشه، وصون كرامته، بتوفير شروط العمل الكريم يراعي المعايير المتعارف عليها دوليا مع ضمان الحماية الاجتماعية للمشتغلين بالقطاع الفلاحي، وفي القلب منهم النساء التي تعشن عنفا مزدوجا، عنف الثقافة الذكورية وتمثلاها، وعنف توحش جشع الباطرونا المرتبطة بالدوائر الرأسمالية.

وارتباطا بموضوع الأزمة الوبائية، في تقديري لا يجب أن ينظر إليه بمنظور الشجب والاستنكار، ولا بمنظور الشفقة، لكن يجب أن ينظر إليه باعتباره شكل منعطفا مهما ، زعزع مجموعة من المسلمات التي هيمنت ردحا من الزمن وكسر يقينيات مطلقة لدى البعض. ليصبح موضوع الاشتغال المستقبلي هو تعليم الناس مواجهة مشاكلهم ومصارعتها بالعقل من أجل بناء سردية مضادة ينخرط فيها الفاعل الثقافي وكل القوى الحية، إنه التمرين الصعب الذي يجب ركوبه مع طرح السؤال الإشكالي للمفكرة الهندية سبيفاك في ثمانينات القرن الماضي ولا زالت شرعيته قائمة. هل يستطيع التابع أن يتكلم؟

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...