“شِفَاهٌ يَابِسَةٌ”..للقاص التميمي التميمي نشر في 14 سبتمبر 2020 الساعة 23 و 54 دقيقة القاص التميمي التميمي شارك لَيْسَ مَحْضَ خَيَالٍ، إِنَّهُ مَادَّةٌ أوَّلِيَّةٌ تُشَكَّلُ فِي أَعمَاقِنَا لتَنْبعِثَ مِنْ جَدِيدٍ، وَالمُستَجدُّ في الحِكَايَةِ فِي هَذِهِ المنْطَقَةِ الَتِي تَبْعُدُ عَنْ مَركِزِ مَدينَةِ بعقُوبَةَ بَعْضَ كِيلُو مِترَاتٍ، أَنَّهَا نَواةٌ لِعرَاقٍ مُصَغَّرٍ؛ فَفِيهَا كُلُّ الأَلوَانِ، يَقتَربُ شَكلُهَا مِنْ طَائرٍ رَبِيعيٍّ يَتَرَاقَصُ عَلَى أَورَاقِ الأَملِ, عَدَدُ البُيُوتَاتِ فِيهَا لَا يَتَعدَّى عَدَدَ الأَصَابِعِ، مُترنِّحَةً مَعَ مَوجَاتِ الصَّبَاحِ الهَادرِ بِصَوتِ الطُّيُورِ المُختلِفَةِ المَشَاربِ.. وَهِي مَحصُورَةٌ بَينَ شَارِعَينِ؛ أَحَدُهُمَا سِيَاحيٌّ مُرتفِعٌ قَلِيلًا عَنْ سَطْحِ الأَرضِ، والآخَرُ خدَمِيٌّ مُنخَفِضٌ, لهَا مَدخَلٌ وَاحِدٌ وَمَخرَجٌ وَاحِدٌ, حِينَ تَدخلُهُا يِنتَابُكَ شُعورٌ بِالغُربَةِ وَالضَّيَاعِ وَبِالأَمنِ وَالطُّمَأنِينَةِ وَالهُدُوءِ بَعدَ التَّعرُّفِ عَلَى أَهلِهَا الَذِينَ تَلمَعُ أَروَاحُهُم مَعَ نُجُومِ اللَّيلِ السَّاكِنِ.نَزَحتْ إِلَيهَا طُيُورٌ بَشَريَّةٌ وَهِيَ مُحمَّلَةٌ بِحكَايَاتٍ غريبة حَزِينَةٍ, عِندَما اضْطربَتْ مَناطقُهُم بِقلَقٍ خَانِقٍ وَلهِيبٍ مُخِيفٍ.شَيئًا فَشَيئًا تَوطَّنتِ العلَاقةُ بَينَ أَبنَاءِ هَذهِ المِنطقَةِ التِي لَا يَزِيدُ عَدَدُ سُكَّانِهَا عَنْ أَلفَي نَفَرٍ، وَأخذَتِ اللَّيالِي تَجمعُهُم في أَحَدِ البُيُوتِ، يَتبَادَلُونَ أطْرَافَ الحَدِيثِ، وَكَانتِ الأَحدَاثُ الدَّائرةُ بَينَ “تَهجِيرٍ, وَقَتلٍ, وَخَطْفٍ, وَجُوعٍ, وَحصَارٍ”. المُدُنُ المُحيطَةُ بِهِم كَانتْ كَإنذَارٍ مُفزِعٍ يُهدِّدُ هُدُوءَهُم، وَيَبدُو أنَّهَا صَارتْ طَقسًا لِكُلِّ الأيَّام بِلَيالِيهَا الطَّويلَةِ المَمْطُوطَةِ وَالمُرعبَةِ بِشتَّى المَخَاوفِ الثَّقيلَة.في مَجلسِهِم الأَوَّلِ أقْتَرحَ عَلَيهُم حجي نُورِي -وَهُوَ أَكبرُ الحَاضِرِينَ سِنًّا- تَشكِيلَ لِجَانٍ لحِمَايةِ القَريَةِ، وَأُخرَى تَتولَّى مهَمَّةَ جَلْبِ البَضائِعِ لَهَا, اسْتَحسَنَ الجَمِيعُ هذِهِ الفِكرةَ، وَبدَأُوا بِالعمَلِ بِهَا، وَغدَتِ القَريَةُ أَكْثرَ أَمْنًا وَأَمْانًا، رُغْم الْتِهَابٍ تَستَهوِيه وَحشِيَّةٌ كَافرةٌ في عُمُومِ البِلادِ؛ لَاسِيَّمَا المُدُنُ القَرِيبَةُ مِنْ هذِهِ القَريةِ.عَلَى رَأسِ كُلِّ مَجمُوعةٍ قَائدٌ يَأخذُ أَوامرَهُ مِنَ المضيفِ المُتنقِّلِ بَينَ البُيوتِ لَيلًا. تَمَّ تَخصِيصُ مَبلَغٍ رَمْزيٍّ للمَجاميعِ وَالنَّاس في طِينةِ الخَلقِ الأُولَى يَدفعُونَ كُلَّ شَهرٍ المَبلغَ المُحدَّد وَهُم رَاضُونَ عَنْ جَمِيعِ المَجاميعِ، وَالمجَاميعُ تُحِسُّ بِمنتَهَى السَّعادَةِ والبُطُولةِ للوَاجبِ الذِي تُقدِّمهُ لقَريتِهَا. فِي إِحدَى اللَّيالِي نَقلَ حجي سَاطع؛ ذُو العَينَينِ الصَّفرَاوينِ الدَّائريَّتينِ -نَقْلًا عَنِ العَجُوزِ الَتِي يَزورُهَا بَينَ الفينَةِ والأُخْرَى- دُخُولَ سيَّاراتٍ مُصفَّحةٍ في سَاعةٍ مُتأخِّرةٍ منَ اللَّيلِ إِلَى أَحدِ أَفرُعِ القَريةِ لَيلةَ البَارحَة, أَخذَ هذَا الخَبرُ بِالانتشَارِ بَينَ أَوسَاطِ القَريةِ كَالنَّارِ في الهَشيمِ، وَشَرعَ يَقضُّ مَضْجَعَهُم.حجي سَاطع يُراقبُ الأَحدَاثَ عَنْ كَثبٍ، وهُوَ لَا يَتحدَّثُ إلَّا قَلِيلًا فِي المَجالِسِ، وَلَا يُطلبُ رَأْيُهُ، لكِنَّهُ يتَأزَّمُ وَيشتَدُّ احتِرَاقُهُ حِينَ يَأتِي ذِكرُ جَمْعِ أَموالٍ إضَافيَّةٍ لِأَيِّ غَرضٍ كَانَ.جِسمُهُ النَّحيلُ المُثقلُ بعَذَاباتِ جُوعٍ وَحْشيٍّ يَبدُو أنَّها صَارتْ طَقسًا بكُلِّ أيَّامِهَا ولَيالِيهَا تتحَكَّمُ بتصرُّفاتِهِ.هذِهِ المرَّة، وبصَوتٍ عَالٍ ووَاضِحٍ رَفضَ أَيَّ مُقتَرحٍ لجَمْعِ الأَمْوَالِ لغَرَضِ شِراءِ السِّلاحِ وَالذّخِيرَةِ.سَيطرَ عَلَى مَوقفِ الدِّيوانِ حَالةٌ مِنَ التَّشتُّتِ وَالضَّياعِ وَانْهِيارِ الهُدُوءِ، وضَجَّتِ الأَصْواتُ بِآراءٍ مُتباينَةٍ أدَّتْ إلى انفعَالٍ شَدِيدٍ؛ أُصِيبَ عَلَى إِثرِهَا حجي نُوري بحَالةِ ارْتفَاعٍ لضَغطِ الدَّمِ؛ تَسبَّبتْ في فقْدَانِهِ النَّظرَ، بَعدَهَا مَنَعَهُ أولَادُهُ مِنْ حُضُورِ المَجالِسِ، وَبقِيَ جَلِيسَ الدَّارِ لا يسْمَحُونَ لأَحدٍ بزيارتِهِ.بَدأتِ المَخَاوفُ تَزدَادُ، وَأَهلُ القَريةِ فِي حَالٍ مِنْ ذُهولٍ وَتَرقُّبٍ لِقادِمِ الأَيَّام.بَعدَ ازْدِيَادِ حَالاتِ الخَطفِ وَالقَتلِ وَالهَجَمَاتِ الإِرهَابيَّةِ تَراجَعَ مُستَوَى أَدَاءِ المَجامِيعِ الخدميَّةِ التي شَكَّلهَا حجي نُوري، وَأخَذَ الأَهالِي عَلَى عَاتقِهِم جَلْبَ المُتطلَّباتِ.تَعرَّضَتِ القَريةُ في صَباحِ الجُمعَةِ لهَجمَةٍ بِقذَائفِ الهَاونِ بَعدَ اقترَابِ عجَلَات وَدرَّجاتٍ نَاريَّةٍ مِنْ قَريتِهِم، وَكانَ نَصْبُ “الهَاوناتِ” عَلَى مَرمَى أنْظَارِهِم، وَالحَادثُ الأَكثرُ بَشَاعةً قَتْلُ ثَلاثِ نِسَاءٍ مَعَ أَطْفَالهِنَّ عِندَ مَدخلِ القَريَة.اضْطُرَّ الجَمِيعُ إِلَى عَقدِ جَلسَةٍ في بَيتِ حجي سَاطع، وَتمَّ الاتِّفَاقُ عَلَى إعَادَةِ اللِّجَانِ الخدَميَّةِ وَتسْلِيحِهَا، وَعمَلِ وَاجبَاتٍ، وَتفَاجَأَ الجَمِيعُ وَرَاحُوا يُحمْلِقونَ بِوجْهِ حجي ساطع، وَهُو يُثِيرُ الدَّهشَةَ في وَضْعِ الخُطَطِ للمَجَامِيعِ، وَإدَارتِهَا إدَارَةً عَسكَرِيَّةً مُحنَّكَةً.بَدأتِ المَجَاميعُ تَأخُذُ مَجْرى فِي تَنفِيذِ الوَاجبَاتِ كَمَا رَسَمَها لَهَا حجي ساطع.بَقِيَ الحَالُ مُستقرًّا دُونَ أَيِّ حَادثَةٍ تُذْكَر.وَعِندَمَا أَخَذَتْ شُهرَةُ حجي سَاطِع بِالانْتشَارِ بَينَ أَوسَاطِ النَّاسِ انْتبَهَ لَهُ مَسؤُولُو الأَجْهزةِ الأَمنيَّةِ، وَأَخذَ يَحْضُرُ اجْتمَاعَاتِهِم، وَيَعرِفُ الصَّغيرةَ والكَبِيرةَ عَنْ مَجْرَى الأَحْدَاثِ، واللَّافتُ لِلنَّظرِ أَنَّ القَادَةَ بَدأَتْ تَخشَاهُ، وَحَاولُوا التَّخلُّصَ مِنهُ بَعدَ مَواقِفِهِ الرَّافضَةِ لبَعْضِ التَّحرُّكَاتِ وَالاعتِقَالاتِ فِي قَريتِهِ وَالقُرَى المُجَاورةِ؛ لَاسيَّمَا بَعدَ تَوافدِ الأُلُوفِ عَلَيهِ؛ طَلبًا للنُّصْرةِ وَالانْضمَامِ إلَى مَجَامِيعِهِ.لَا يَترَدَّدُ في قَبُولِ الأَعدَادِ وَازدِيَادِ قوَّتِهِ التِي تَخُوضُ غِمَارَ الرُّعْبِ في منَاطِقَ تَفُوحُ منْهَا كَوَابِيسُ مُرعِبَةٌ وَأَشباحٌ في عَتمَةِ لَيلٍ تَتحرَّكُ فِيهَا الجُثَثُ بِصَمتٍ، وَكَأنَّ المَنَاطِقَ بِانتظَارِ يَومِ مَحْشَرٍ لَا تُعرَفُ المَصَائِرَ فِيهِ.تَكرَّرتْ مُحَاولاتُ اغْتِيَالِهِ, قرَّرَتْ إِحدَى الجهَاتِ الحِزبيَّةِ أَنْ تُفاتِحَهُ وَبِطريقَةٍ مُخَابرَاتيَّةٍ عَنْ مُحَاولاتِ اغْتِيَالِهِ مِنْ جهَاتٍ مُنتَميةٍ إِلى السِّفَارةِ الأَمْرِيكِيَّةِ، وَحدَّدُوا لَهُ أَسمَاءَ الضُّبَّاطِ وَالمَراتبَ المُكلَّفةَ بِالتَّخلُّصِ مِنهُ، وَالوسِيلَةُ هِي زَرعُ العُبُوَّاتِ النَّاسِفَةِ أَوِ الأَحزمَةُ النَّاسِفةُ أَوْ سَيَّارَةٌ مُفخَّخَةٌ, لَمْ يَكُنْ وَاثقًا مِنْ هَذَا الكَلَامِ، وَلَيسَ لَدَيهِ اطْمئنَانٌ بِذَلكَ. إِلَّا أَنَّهُ اضْطُرَّ أَخِيرًا -وَلِكثرَةِ المُحَاولاتِ وَاقْترابِهَا مِنهُ بِدرجَةٍ كَبِيرةٍ- أنْ يَنتَمِيَ لَهُم.بِبَلاهَةٍ وَدَهشَةٍ بَدَأَ النَّاسُ بَيْنَ مُصَدِّقينَ وَغَيرِ مُصَدِّقينَ يَسْمَعُونَ وَيُشَاهِدُونَ العَمَليَّةَ الحِسَابيَّةَ لِأموَالِ وَعقَارَاتِ وَحمَايَاتِ المَوكِبِ الكَبِيرِ مِنَ السَّيَّاراتِ المُظَلَّلَةِ التِي تَسِيرُ خَلفَ حجي ساطع.أَغلَبِيَّةُ العُيُونِ تَتَوجَّهُ صَوْبَ أُمِّ غَائِب؛ هَذِهِ العَجُوزُ الطَّاعنَةُ في السِّنِّ هِي مَنْ تُزوِّدُهُ بتَكَهُّنَاتِهَا، لا تَقبَلُ أَحَدًا يَدخُلُ إلى بَيتِهَا؛ لا مِنَ الرِّجالِ وَلَا مِنَ النِّساءِ مُنذُ فَقدَتْ آخرَ شَخصٍ يَنتمِي لِأُسرَتِهَا، لَكِنْ هِي وحجي ساطع مِنْ قَريةٍ وَاحدَةٍ، وَهذَا مَا صَرَّحَ بِه حجي سَاطِع، رَدًّا عَلَى الأَسئِلةِ التِي تُوَجَّهُ إِلَيهِ كُلَّمَا أَتَى ذِكرُ أُمَّ غَائِب.لَمْ تَكُنْ ذَاتَ شُهرةٍ بَينَ أَوسَاطِ القَريةِ، وَلَا يُنقلُ عَنهَا أَيُّ كَلامٍ لَهُ خُصوصِيَّةٌ, لَكِنْ مَا كَانَ يَنقُلُ عَنهَا حجي سَاطع مِنْ أَخْبارٍ في المضيفِ جَعلَهَا نُصْبَ أَعيُنِ الكَثِيرِ؛ لاسِيَّمَا نِسَاءُ القَريَةِ؛ إذْ كُنَّ يُحَاوِلْنَ -وَبِكلِّ طَريقَةٍ- الاقْترَابَ مِنهَا؛ لِانتشَالِ خَيبَاتِهنَّ مِنْ دَوَّامةِ المَوَاجعِ، لَكنْ دُونَ فَائدَة؛ أبْوَابُهَا مُؤْصدَةٌ، واسْتقبَالُهَا فِيهِ ضَربٌ مِنَ المَخَاوفِ؛ لِذَا تَجَنَّبْنَ اللِّقَاءَ بِهَا.تَذْكُرُ إِحْدَى النِّسْوةِ في أَوَّلِ لِقَاءٍ مَعهَا، وَهِي لَمْ تَكُنْ فِي بِدَايةِ قُدُومِهَا لِهَذهِ القَريَةِ بِهَذهِ العُزلَةِ وَحْدِيَّةَ المزَاجِ.سَألْتُهَا:-لمَاذَا فَضَّلتِ المَجِيءَ لِهَذهِ القَريَةِ دُونَ سِوَاهَا؟أجَابَتْ:– سَتَكُونُ أَفضَلَ القُرَى أَمْنًا وَخَدمَاتٍ. مَا حَصَلَ مِنْ تَغيُّراتٍ في هَذِهِ القَريَةِ، لَمْ يَكُنْ مُتَوَقَّعًا لِأَكبرِ المُهتمِّينَ أَوِ المَسْؤُولينَ؛ إِذْ لَمْ تَكُنْ هَذهِ القَريَةُ في الحِسْبانِ، وَهِي بُقْعَةُ أَرْضٍ فِيهَا أَربَعةُ إِلَى خَمْسَةِ بيُوتَاتٍ مُتبَاعدةٍ تتَحوَّلُ إِلَى مَلجَأ أَمْنٍ للنَّاسِ، وَيتَحوَّلُ رَجلٌ مَغمورٌ إِلى عَلامَةٍ فَارقَةٍ في المِلَفِّ الأَمْنيِّ، وَيشْغَلُ أذْهَانَ النَّاسِ، وَيجْلِبُ لَهَا كُلَّ هذِهِ الخَدمَاتِ عَلَى حِسَابِ خَدمَاتِ أَرْقَى مُدُنِ المُحَافظَةِ، فَهَذا الأَمرُ الذِي يُؤشِّرُ عَلَى الدَّهشةِ لِهذِهِ الشَّخصِيَّةِ العَجِيبَةِ. وتَجِدُ هذا التَّصوُّر حاضرا في أذهان من سمع بحكايتها.بَعْدَ الانْتصَارِ الكَبِيرِ الَذِي حَقَّقهُ حجي ساطع عَلَى “دَاعِش” في معَارِكِ شَمَالِ المِقدَاديَّةِ، ودَفْعِ الخَطَرِ عنِ المُحافظَةِ، وَأَثنَاءَ العَودَةِ إلى قَريتِهِ أُقِيمَ لَهُ احْتفَالٌ بهِيجٌ، حَضرَهُ مُختَلفُ القَادَةِ وَالشَّخصِيَّاتِ، وَبَعْدَ الاحْتِفَالِ كَانَ حجي ساطع مَشغُولًا جِدًّا وَمَهمُومًا وَمُضطَربًا، وَمَا يَنْفَكُّ يَزْدَادُ قُوَّةً ذَلِكَ الشُّحوبُ، وَكأَنَّهُ فِي انْتظارٍ مَحمومٍ، وَيَبدُو أنَّهُ غَيرُ مُدركٍ لِلطَّريقِ إلى أُمِّ غَائِبٍ؛ فَهُو يَسْألُ عَنْهَا بَينَ أَوْسَاطِ النَّاسِ، وَكأنَّهُ قَدْ فَقَدَ جُزءًا مِنْ ذَاكرَتِهِ الَتِي تَحتفِظُ جَيِّدًا بِخُصُوصيَّةِ أُمِّ غَائِبٍ وَعُزلَتِهَا. فَأغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّهُ حِينَ غَادرَ الاحْتفَالَ اتَّجَهَ صَوبَهَا.دَعَتِ الحَاجةُ بَعْدمَا شَاعَ خَبرُ اخْتفَاءِ حجي ساطع فِي اللَّيلَةِ نَفسِهَا الَتِي بَحَثَ فِيهَا عَنْ أُمِّ غَائِب إلَى دُخُولِ أَفْرادِ حِمَايتِهِ إلى بَيتِهَا، وَالبَحثِ عَنْ حجي ساطع، وَفِي هَذهِ الأَثْنَاءِ سَيطرَ عَلَى النَّاسِ انْفعَالٌ غَرِيبٌ مُوحِشٌ؛ فَهُمْ بَينَ مَخَاوف مَا سَيَجرِي، وَبَينَ لُغْزِ هَذهِ العَجُوزِ ومَا تُخفِيهِ لَهُمُ الأَيَّام.لَمْ يَتمكَّنْ أحَدٌ مِنْ فَكِّ رُمُوزِ اخْتفَاءِ حجي سَاطِع، وَالجَمِيعُ أمَامَ التَّساؤُل:مَنْ يَستطِيعُ أَنْ يَجعَلَ أُمَّ غَائِب تُجِيبُ عَنِ السُّؤال؟!أَخِيرًا، تَبرَّعَ حجي نوري وَهُو في وَهْنٍ شَدِيدٍ بِأَنْ يَذْهبَ إلَيهَا؛ طَمَعًا في الحُصُولِ عَلَى الإِجابَةِ الَتِي يَنتظِرُهَا الجَمِيع.لَمْ يَجْرُؤْ حجي نُورِي أَنْ يَطرُقَ مَا سَمِعَ عَلَى مَسمَعِ النَّاسِ؛ إِنَّهُ يَعرِفُ جيِّدًا خُطُورةَ المَوقِفِ، كَانَ يَخشَى أَنْ يَنهَارَ الوَضْعُ، وَيَدْخُلَ النَّاسُ في دَوَّامةٍ، وَلَا يُصدِّقُوا حَدِيثَهُ.ظَلَّ يُفكِّرُ في كَلَامِهَا قَبْلَ أنْ يَفقِدَ وَعيَهُ عَنْ ذَلِكَ المَخْلُوقِ الجَدِيدِ الذِي سَيكُونُ مَاثلًا أَمَامَ النَّاسِ، وَالذِي يُخْلقُ مِنْ أَنفُسِهِم, حِينَ يَبقَونَ يَجلِدُونَ ذَوَاتِهِم لِرُؤيَةِ ذَلكَ الغَائِبِ. شارك