قصة قصيرة: طيط.. طيط.. طيط.. أمينة غلاض

أحس بالكمامة تخنق أنفاسه. لم يعد القلم يطاوعه، ولا بنات أفكاره تراوده. صمت يلف القاعة إلا من طقطقات حذاء المراقِبة التي كانت بخطواتها الرتيبة تقتل مللا يُفرَض عليها كلما كُلفت بحراسة الامتحانات الإشهادية مرتين أو ثلاث مرات في السنة…

وَضع القلمَ على الطاولة. تذكر كم من مرة أُجِّل هذا الامتحان.. وكم من مرة اُلغي. تذكر تلك الساعات التي كان يجلسها أمام هاتفه من أجل تحصيلٍ قلٌَما يُقَرٌِب لهم ما يتم تدريسه عن بعد، رغم رهاب نفسي عايشه طيلة حجر فُرِض إبان انتشار جائحة كورونا…

للمرة العاشرة يعيد قراءة السؤال عن الضغوط التي تعرض لها بلده، ونوعها…

هل يستخرجها من الوثيقة التاريخية كما هو مطلوب في ورقة الامتحان؟! أم يستخرجها من ذاكرة أشبعتها يومياته في ظل ضغوطات يومية ربما يضيق مجال الكتب المدرسية للخوض فيها؟!

– أين أصنف ما تعرضنا له بعد إقفال المقهى الذي يشتغل به أبي لمدة ثلاثة أشهر؟ وبعد طردِنا من الغرفة التي كنا نكتريها في السطوح؟ والتي كانت المصدر الوحيد لرزق صاحب المنزل الذي يعول عائلة بأكملها؟…

– نعام؟ شنو أولدي؟ سأله أحد المراقبين..

– اسمح لي يا أستاذ؟ أظن انني كنت أفكر بصوت مرتفع…

سيحاول أن يقنع المصحح بأنها ضغوطات اجتماعية بما أن الضغوطات النفسية لا يُعترف بها في كراسات التربية على المواطنة، سيحاول أن يثبت له أن الضغوطات الاقتصادية التي عايشها جيرانه لم يجدها مثبتة في أي مخطوط من كتب التاريخ، سيحاول…

طيط.. طيط.. طيط..

انتبه أنه صوت آلة رصد الهواتف وظِلٌّ واقف بجانب مقعده. لم يشعر بلجنة المراقبة تدخل إلى قاعة الامتحان. استفسره أحدهم بعينيه وأدخل يده في جيبه ليضبط أداة تلبسه. 

وقف بتباث. لم يكن سوى حزام سرواله الحديدي الذي صار يُحكِم وثاقه خوفا من اغتصابات متتالية لا تسجلها أية كراسات…


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...