لا يُقاس وعي المجتمعات بحدة النقد، بل بعدالته وشموليته. أما النقد الذي يختار ضحاياه سلفًا، فهو ليس نقدًا، بل شكل آخر من أشكال التضليل
نحن في حاجة إلى نقد أفقي شامل، لا نقد عمودي انتقائي. نقد يزعج الجميع بالقدر نفسه، لأنه لا يبحث عن كبش فداء، بل عن مكامن الخلل. فبدون هذه الجرأة الفكرية، سنظل ندور في الحلقة نفسها: نغيّر الأشخاص، ونحتفظ بالمنظومة، ثم نتساءل باستغراب مصطنع لماذا لا يتغير شيء
في ثقافتنا السياسية والاجتماعية، اعتدنا أن نختزل فعل النقد في حلقة واحدة: المنتخب. هو الهدف الأسهل، والأقرب، والأكثر عرضة للتشهير والمساءلة الخطابية. لكن هذا الاختزال، الذي يبدو في ظاهره دفاعًا عن المصلحة العامة، يخفي في عمقه واحدًا من أعطاب الوعي الجماعي، وأخطر أمراض الممارسة النقدية في بلدنا.
النقد، حين يكون منهجيًا وبنّاءً، لا يُمارَس بالانتقائية ولا يُختزل في فاعل واحد داخل منظومة معقدة. فكما أن التعميم يُعدّ خطأً علميًا جسيمًا، فإن حصر النقد في نطاق واحد فقط هو خطأ مجتمعي قاتل، لأنه يحوّل النقد من أداة للإصلاح إلى سلاح لتصفية الحسابات الرمزية، ومن آلية للتقويم إلى تقنية لحماية أطراف بعينها من أي مساءلة.
المنتخب، مهما بلغت مسؤوليته، ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من الفاعلين: إدارة، وسلطة تقريرية، وأجهزة تنفيذ، ونخب تقنية، وأحيانًا مراكز قرار غير مرئية. حين نوجّه سهام النقد كلها إلى المنتخب وحده، فإننا لا نمارس العدالة النقدية، بل نمنح الآخرين حصانة غير معلنة، ونُعيد إنتاج منطق الإفلات من المسؤولية.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من النقد الانتقائي يُسهم في تزييف الوعي العام. فهو يُقنع المواطن بأن مصدر الاختلال واحد، وبأن تغيير الوجوه كفيل وحده بتصحيح الأعطاب البنيوية، في حين أن الواقع يُثبت، مرة بعد أخرى، أن الخلل أعمق من الأشخاص، وأقدم من الولايات الانتدابية، وأكثر تعقيدًا من خطاب شعبوي يختزل الأزمة في منتخب “سيئ”.
إن تحويل النقد إلى أداة لضرب فئة وحماية أخرى لا يقلّ خطورة عن غياب النقد نفسه. لأن الفئة المحمية، وغالبًا ما تكون الأكثر تأثيرًا في صناعة القرار أو توجيهه، قدتكون هي الحاصلة على نصيب الأسد من المسؤولية في تراكم الأخطاء، سواء عبر التعطيل، أو سوء التدبير، أو القرارات غير المحسوبة، أو حتى بالصمت المريب.
النقد الحقيقي لا ينتقي خصومه بناءً على وضعهم الاجتماعي، أو المالي، أو السياسي، ولا يعفي الأقوياء بحجة أو بأخرى. بل هو فعل شجاع يضع الجميع تحت المجهر: المنتخب، والإدارة، وصانع القرار، والوسيط، بل وحتى المجتمع نفسه حين يتواطأ بالصمت أو يساهم في إعادة إنتاج الرداءة.
نحن في حاجة إلى نقد أفقي شامل، لا نقد عمودي انتقائي. نقد يزعج الجميع بالقدر نفسه، لأنه لا يبحث عن كبش فداء، بل عن مكامن الخلل. فبدون هذه الجرأة الفكرية، سنظل ندور في الحلقة نفسها: نغيّر الأشخاص، ونحتفظ بالمنظومة، ثم نتساءل باستغراب مصطنع لماذا لا يتغير شيء.
في النهاية، لا يُقاس وعي المجتمعات بحدة النقد، بل بعدالته وشموليته. أما النقد الذي يختار ضحاياه سلفًا، فهو ليس نقدًا، بل شكل آخر من أشكال التضليل.
شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار




