لم يكن بلاغ المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الصادر في أعقاب اقتراع 23 شتنبر، سوى محاولة مفضوحة للالتفاف على صدمة الهزيمة وإعادة تدوير لغة خشبية استهلكتها عقود من التبرير. ففي اللحظة التي انتظر فيها الغيورون على الحزب مكاشفة شجاعة ونقداً ذاتياً يرقى إلى حجم النكسة، خرجت القيادة بوثيقة رمادية غارقة في العموميات، تُهندس الهروب من ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتُمهد في الآن ذاته لهرولة انتهازية نحو مقاعد الاستوزار.
تصدير الفشل التنظيمي وتبرئة رأس الهرم
يكشف البلاغ عن مناورة مكشوفة حين يقرر أن تقييم النتائج وما شهدته من اختلالات هو “مسؤولية جماعية للأجهزة الحزبية في الأقاليم والجهات أولاً”. إن هذا المنطق التنظيمي المعكوس يسعى بوقاحة إلى تصدير الفشل نحو القواعد والمناضلين في الهامش الميداني، مبرئاً ذمة المركز والكاتب الأول تحديداً، الذي احتكر كل خيوط القرار وظل يدير الحزب كضيعة خاصة تخضع لمنطق الولاء والشخصنة.
فضيحة اللوائح الجهوية للنساء: مسرحية المال والزبونية
إن أشد ما يفضح هذا البلاغ ويجعله مدعاة للسخرية، هو إفراطه في التغني بالمرجعية الحداثية للمشروع الاتحادي واحتفائه بتعيين امرأة على رأس الحكومة، بينما الواقع التنظيمي المعاش قدّم إخراجاً مسرحياً رديئاً لتدبير التزكيات الجهوية الخاصة بالنساء. لم تعد كواليس هذا الملف سراً، بل انفجرت في العلن من خلال شهادات صادمة لمناضلات وأطر من طينة مريم جمال الإدريسي، ومنال الثقال، وليلى بوهو وعتيقة الوزيري وحياة بركات؛ تصريحات فضحت اعتماد منطق الزبونية، وتغليب معيار المال والجاه، وشراء المواقع على حساب الكفاءات النسائية والمناضلات اللواتي قدّمن سنوات من التضحية الميدانية. تحولت “المناصفة” و”تمكين المرأة” في عهد إدريس لشكر من مبادئ نضالية أصيلة إلى بضاعة تفاوضية توزع تحت جنح الظلام، ليأتي البلاغ اليوم متشدقاً بالقيم الحقوقية في انفصام تام عن الممارسة الفعلية.
التباكي على الفساد تمهيداً لحقائب الحكومة
بلغ التناقض مداه في الوثيقة حين أسهبت في توصيف الفساد الانتخابي بـ”الظاهرة البنيوية”، متحدثة عن خروقات تمس نزاهة التنافس وتكافؤ الفرص؛ لكن هذا التشخيص الأخلاقي لم يكن مقدمة لاصطفاف مبدئي في المعارضة دفاعاً عن سلامة المؤسسات وصيانة لصوت الناخبين، بل تحول في السطر الأخير إلى مجرد ورقة ابتزاز سياسي وتكتيك تفاوضي. فالخلاصة العملية الوحيدة للاجتماع كانت “تفويض الكاتب الأول ورئيس المجلس الوطني لمتابعة المفاوضات الحكومية”، لتسقط بذلك ورقة التوت عن خطاب المبادئ، ويظهر الهدف الوحيد: مقايضة الهزيمة بحقائب وزارية تضمن بقاء الحلقة الضيقة في دائرة النفوذ والريع الحكومي.
دروس الاستقالة الحزبية: بين شجاعة 2021 وغيبوبة 2026
تزداد قتامة هذا المشهد عند مقارنته بالسلوك السياسي لمنافسين خاضوا تجربة السقوط المدوّي من قبل؛ فحين تعرّض حزب العدالة والتنمية لنكسته التاريخية في انتخابات 2021، امتلكت أمانته العامة الشجاعة الأخلاقية والسياسية لتقديم استقالة جماعية فورية، وتحمّل المسؤولية الكاملة أمام القواعد، والدعوة لمجلس وطني استثنائي أعقبه مؤتمر انتخب قيادة جديدة نجحت تدريجياً في إخراج الحزب من سكتته القلبية واستعادة مصداقيته الشعبية.
أما في الاتحاد الاشتراكي، وبدلاً من إعلان الاستقالة وفتح المجال لمؤتمر وطني استثنائي يفرز قيادة جديدة تقطع مع التكلس والاستبداد بالرأي، اختارت القيادة الحالية استدعاء قضايا خارجية كبرى كأفق تنظيم مونديال 2030، والتحولات الجيوسياسية، وصعود اليمين في أوروبا، لإغراق النقاش الداخلي في بحر من الثرثرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن بلاغ 30 شتنبر يؤكد بالملموس أن القيادة الحالية استنفدت كل مبررات وجودها، وأن استمرارها في إدارة التنظيم بمنطق التعيينات الفوقية وبيع التزكيات والتهافت على المناصب الحكومية لن يؤدي إلا إلى تعميق عزلة الحزب عن المجتمع. إن الإنقاذ الحقيقي لا يبدأ من مفاوضات التشكيل الحكومي، بل يمر حتماً عبر رحيل هذه القيادة، وتطهير البيت الداخلي، والعودة إلى الجذور الديمقراطية والشعبية التي تأسست عليها القوات الشعبية.
عمر المهدي


