قصة..البهلوان..حسام الدين نوالي

أغمس قطعة البطبوط الساخن في صحن الزيت بمهلٍ كي تتشرّبَه مثلما يفعل خالي المعطي تماما، ثم أنقُرُها نقرات خفيفة على الحرف الرقيق للصحن كي لا تسيل الزيتُ على أصابعي حين أرفعها، وأستمتع بمضغها ببطء شديد وهي تُبَجبِج داخل فمي دون أن أفسِد طعمَها بجرعة الشاي المنعنع. حينها كان خالي المعطي قد توضأ للتو وخرج وهو يعيد كُمّ القميص الذي شمّره، فوقفتُ بسرعة، وهرولت ناحيته. و صامتا مدّ لي كفه العريضة المبتلّة وقبّلتُها مرّتين.

– صباح الخير، خالي.

فقال لي: “مْه! سير تفطْر، سيرْ!”

ثم وقف غير بعيد، فتمتم، وكبّر، ثم شرع يصلي الصبح، ويدعو في سجوده بابتهال متقطّع بفعل زفيره القوي الذي أسمعه:

“اللهم اغنِنا يا رب.. ههممم، اللهم اقتُل بلال وْلد العياشي، وشتّت أمعاءه في حادث رهيب.. ههممم، اللهم يا رب ابعد عني الفضائح، ههممم…”

كنتُ أقلّب لقمة البطبوط المشبعة بالزيت في فمي، وهي تُبجبج ولا أسمع بقية الدعاء وأمضغ ببطء شهي.

عينا خالي المعطي مُربِكتان، وبسبب الحول الذي فيهما فإنه حين يقف لا أدري بالضبط هل ينظر إلى اللبدة التي يصلي عليها، أم ينظر إليّ، فأَرتَبِك، وأمعنُ في الانضباط والأكل كما يليق بطفل مهذب؛ ولم أنتبه إلا حين وصلني صوته الجاف بفعل دخان الكيف والسجائر:

– نوضْ نوصلك للمدرسة ونسول عليك الأساتذة، نوضْ!

قلت بخليط من الحياء والخوف:

– إن الحصة يا خالي ستبدأ بعد الزوال، وإن صباح السبت يُخصص دائما للـ…

فزمجر غاضبا ، وقفزت مهرولا حين صرخ:

– وااانوضْ جيبْ شكّارتك الله يعطيك الجّْهل آشمن سبت ولاَّ خميس!

حملت محفظتي بسرعة، وتسلَّمَها مِني فأمسكتُ يدَه وخرجنا.

في الطريق، لا يكلمني، وأنا أوسع خطواتي كي ألحق به مرة، وكي أضبط إيقاع مشيتَيْنا فنَضَع قدميْنا في اللحظة نفسها، ونرفع الأخريين في الوقت نفسه. فأفشل أحيانا وأوفّق حينا، وأُصِرُّ باجتهاد مرات أخرى فأوسِّع خطواتي أكثر.

انتبهت حين سألني:

– آشتاتقراو عند الشهبة؟

رمشَتْ عيناي بسرعة، وزممتُ شفتيّ لحظة ثم سألْت:

– شكون الشهبة؟

– مالْ جَدْ بوك مالك! ماعرفتيش الأساتذة ديالكآوْجه الناقة؟

– آآه! الأستاذة نِعمات والسي قرباضي اللي تايقرّيوْني. العربية والفرنسية. والسي عريقة تايجي عندنا للقسم بعض المرّات.

كنتُ ألهث بفعل خطوات خالي المعطي الكبيرة ومجاراتي لها بصعوبة، ويتقطّع صوتي، وأجهد كي أكمل الكلام:

– ولكن اللي تايعجبني هو عمّي جلّول مول الـ..

قاطعَني:

– سْكت سْكت! ما تْنفع ما تضر بْحال حليب لْحمارة.

وسكتُّ. وواصلنا المشي مدّة ثم قال:

– أنا راه قاري ألفية ابن مالك كلها، والأجرومية، وميزان الذهب، والنحو على لْكمال.

قلت له:

– كيفاش؟

فجرّ يدي بقوة وقال:

– زيدْ !

وواصلتُ المشي، ووسعتُ الخطو، وتتابع اللهاث..

– شكون اللي قلتي ليا تايجيعندكوم للقسم؟

– السي عريقة؟

– تايجي عند الشهبة؟

– إيِّه. الأستاذة نِعمات. تايصيفطو المدير.

– آه! ماشي موشكيل.. ماشي موشكيل، الإنسان خاصّو يكون مُتفتّح!

خشيتُ أن أقول أني لم أفهم، وهل عليّ أن أرد؟، لذلك كنت أنظر إلى المدرسة قبالتنا، ونحن نقترب منها، وأشير إلى بابها الكبير المُقفل وخلفَهُ يظهر السي عريقة.

– لابدّ أن البهلوان في الداخل مع الصغار، لذلك يغلقون الباب، قلت.

التفت إليّ مقطبا، واسترسلتُ:

– نحن الكبار يخصصون لنا حصةً بعد الزوال للمسرح، وأخرى مع سوسو. هههه. سوسو يا خالي هو البهلواان.

توقف خالي المعطي، وقال مستغربا:

– ماتقرّيكومشالشهبة ليوم؟

وقبل أن أفتح فمي كي أقول “لا”، رفع رجله وركلني بقوة فسقطتُ، ونظر إليّ مقطبا وقال:

– فين غادي آبوخنونة ب هاد المحفظة ملّي ما عندكشلقراية!؟

ثم خبط عليّ محفظتي، وصرخ :

– سير رجع للدار، الله يعطيك الجّْهل أنت والبهلوان.!

نهضتُ مسرعا. أنفض الغبار وأعرج راجعا إلى الدار. وفي الطريق أتخيّل البهلوان سوسو يجري في الساحة وقد أصابه الجّْهل، وأُسِرّ الضحكة في نفسي.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...