” اليوم السابع “.. عبد العالي بنحريمة يرسم “لحنينه أمي” بمداد الذكرى
عبد العالي بنحريمة
شارك
لحنينة أمي …. أمي العزيزة ….
أحكيك عمق الليلة ، لحنينة أمي ، همسات الشوق والحنين لابتسامتك الدافئة ؛ الفياضة عبق الصفاء ، حضنك الدافئ يحتويني، وأنا أتيه بين ثنايا أضلعي ، أعصر الذاكرة ، ويعصرني همس الطفولة ، أستحضر فيك لالة خدوج ديناري إدريسي، زوجة المرحوم الفقية السي البشير السباعي المكنى بنحريمة ؛ الذي لم يتوانى في رغبته القوية في أن أحمل مشعل حافظ من حفظة القران، حاملا له في فؤادي ، أجوب المساجد والاسواق ، وأنا محمل بجلباب صوفي ، لوحة مطرزة بسور قرآنية بالخط العثماني ، تلك كانت رغبته أن يصبح ابنه فقيها حافظا للقرآن ، حاملا لكتاب الله ….
هو الذي اختارك زوجة له وأنت لازلت قاصرة، لم تتجاوزي سن السادسة عشرة سنة ، ليخنقك بين دهاليز رياضه ، منزله، الواسع الشاسع ، بأحواضه الأربعة ، ثلاث شجيرات ليمون ، وشجرة رنج ( الزنبوع ) ظلالها وارفة ، و أنت تتعايشين مع غيابات حبل ودلو ذاك البئر/ الجب العميق الذي لازالت ذكريات تناوب جميع إخوتي على جذب مائه الزلال كل عصر يوم لسقى احواض ما يسمى بالرياض ….شغلتك جنة رياضه باهتمام كبير ، أبيت إلا أن تساهمي في تلطيفها ، وتزكيتها بغرس شجيرة خوخ لم تعمر طويلا ، اكرمت بمنتوجها الخوخي الجيران والأحباب ، والابتسامة لم تبتعد عن محياك ، وانت ترعيها صبح كل يوم ، بعد ركعات الفجر، الى أن أسلمت أغصانها لخالقها، بعد ان خارت جذورها ، وانتقلت إلى الرفيق الأعلى…. تألمت كثيرا على فراقها ، وانت ترددين سرا في جوفك ( ضربتها العين .. شي عوينة هذي …) وأنت تبتسمين ابتسامتك المعهودة …….
وأنت والعهدة عليك لحنينة امي، أنك لم تعيشي طفولة الأنثى ، اكتفى بأن يكون قفصك الذهبي رياضه الفسيح ، مسجونة بين قبابه ودهاليزه ، منزوية، في كشينته ( مطبخه ) تهيئين ألذ الاطعمة وافخمها لخلانه من الفقهاء المولعين بقراءة القرآن بشكل جماعي ، ( الزردة ) وانت راضية ، قانعة، لاتفارقك هذه الابتسامة الرقيقة ،الدافئة التي لم تفارق محياك، وحتى أنت على فراش الموت ، تودعين الروح لبارئها مبتسمة…
كنت قد حكيت لي وأنا أتوسد ركبتك اليمنى والتي ظلت تشكو صداع الروماتيزم ، يؤلمك مذ ان رحل هو إلى الدار الآخرة ، أنك عشت حاجبة لا تغادرين رياضه، ولا تعرفين ماذا يحدث خارج جدرانه ، حتى الاغتسال مجبرة داخله في حمام الرياض …..
تبتسمين في الشدة والرخاء ، تعصرينها عصرا ، حتى لا يشعر أحد منا بألمك الذي ظل يراودك ، أحس ونحس به نحن الاخوة، ولا تبوحين به لأحد، حين يتألم منا أحد، أو يشكو شكواه اليك ، تتألمين بابتسامتك المعهودة، وتضمرين ألمك الدفين ، حتى لاينفجر عويلا وبكاء ليتحول ألمك الى أمل….. العزيزة امي ….!!