بحث أكاديمي يكشف هيمنة ثلاثة فاعلين على صناعة القرار التربوي بالمغرب

المحجوب ادريوش صاحب البحث، كاتب إعلامي متخصص في شؤون التربية والتكوين وباحث في سوسيولوجيا التربية :عملية الإشراك والتفاعلات التي تمت بين الجهات الرسمية والجهات غير الرسمية، هي التي ساعدت على هيمنة الفاعلين الثلاثة ولم تساعد على صناعة قرار تربوي عقلاني ورشيد

 

من نتائج وخلاصات  بحث أكاديمي عنوانه: “صناعة القرار التربوي في السياسات التعليمية بالمغرب/  القانون الإطار 17-51 لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي نموذجا” هيمنة ثلاثة فاعلين على صناعة واتخاذ هذا القرار التربوي رغم مروره عبر مجموعة من الجهات الرسمية وغير الرسمية.

وقال المحجوب ادريوش صاحب البحث، وهو كاتب إعلامي متخصص في شؤون التربية والتكوين وباحث في سوسيولوجيا التربية،   “أن الفاعل الإداري ممثلا في الإدارة المركزية كإدارة وكفاعل تقني  وليس الوزارة كجهاز تنفيذي ممثلا في الوزير، والفاعل الأجنبي ظاهرا كدول أو مؤسسات دولية مانحة أو مستترا ضمن الفاعلين المؤثرين، وأيضا الفاعل الاقتصادي بمختلف تلويناته، الذي “انتقل من الرأي إلى المشاركة في تدبير الشأن التربوي”، هم الفاعلون الأساسيون والأكثر تأثيرا  وهيمنة في إخراج القانون الإطار وقبله الرؤية الاستراتيجية على اعتبار أن القانون الإطار ما هو إلا إطار قانوني أو مرآة لبعض مضامين الرؤية الاستراتيجية.”

و أوضح الباحث تراجع ومحدودية تأثير الفاعلين التقليدين كالنقابات والأحزاب. فبخصوص الأحزاب توصل ادريوش إلى أن “ضعف التأثير يرجع في جزء منها إلى أن اهتمام  الاحزاب بالشأن التعليمي اهتمام ضعيف نسبيا، وإلى غياب  رؤية وخيارات أخرى وغياب مكاتب دراسات أو حكومة ظل بل حتى في برامج الأحزاب حول التعليم تكاد تتكلم عن العموميات ولا تصل إلى الأمور الدقيقة والجوهرية والتي تنم عن خبرة في المجال”.  ورغم أنه  وبحكم سيرورة اتخاذ القرار خاصة في القضايا الكبرى التي تمر بالضرورة عبر  الفاعل الحزبي  إما عبر الحكومة أو عبر البرلمان أو هما معا، لكن قوة التأثير تبقى ضعيفة، لأن هذا الفاعل، بحسب الباحث، ” متقلب المزاج ولا يستقر على رأي”.

وأكمل الباحث أن هذه المحدودية في تأثير الفاعل الحزبي تنطبق كذلك على الفاعل النقابي لكون النقابة عموما  تناقش ملفا مطلبيا بالأساس بخطاب نقابي صرف مرتبط بالتركيز على حضور المورد البشري “المتعلق في عناوينه الكبرى باللجان الثنائية والجانب المالي والنظام الأساسي وإذا تم التحديد والتخصيص فهناك الترقية والانتقال وتغيير الإطار وغيرها والمشاكل الداخلية والفئوية، وإما أن تكون هذه التصورات عبارة في بعضها عن تشخيص واقتراحات عامة لإضفاء خصوصية تربوية عليها  في غياب الشق البيداغوجي “. إضافة إلى التشظي الذي يعرفه الجسم النقابي وإلى تهميش النقابة “فدورها كوسيط فيه نوع من التهميش والتنظيم مترهل في غياب الديمقراطية”

محدودية تأثير الفاعلين الكلاسيكيين مردها كذلك  إلى كون الفاعل النقابي   في هذه المراحل الأخيرة في المغرب أصبح مطلبيا أكثر منه اقتراحيا، وهو ما يظهر مما ارتكزت عليه الأوراق التصورية كذلك: فإما كما قلت يغلب عليها الجانب المطلبي

 

وأشار الباحث إلى أن عملية الإشراك والتفاعلات التي تمت بين الجهات الرسمية والجهات غير الرسمية، هي التي ساعدت على هيمنة الفاعلين الثلاثة ولم تساعد على صناعة قرار تربوي عقلاني ورشيد، وتميزت ب:

  المشاركة في اتخاذ القانون الإطار شبه غائبة وحتى إن تمت فهي إما شكلية أو صورية، حيث سيطر جو من عدم الثقة ومشحونا اتجاه الجهات الرسمية الفاعلة خاصة الوزارة والحكومة والمجلس الأعلى، مما جعل شرطا مهما من شروط المشاركة في اتخاذ القرار يغيب وهو الشرط الاجتماعي، المتمثل في شعور الفاعلين وأعضاء التنظيمات بنوع من الثقة والعدالة والشفافية في العلاقات بين الأطراف، ما يولد الرغبة والإرادة في المشاركة والتحفيز على الخلق والإبداع؛

جل الفاعلين غير متحررين من  عوائق مرتبطة بقرارات سابقة وبطريقة تعاطي الوزارة معهم فيها، مما جعلهم سيكولوجيا غير قادرين على الانخراط التام في عملية المشاركة، مع عدم فصل بعضهم نمط وأهداف التنظيم الخاصة عن أهداف القرار المراد اتخاذه؛

وارتباطا بالنقطة الثانية الوزارة كجهة رسمية لم تعمل على خلق تلك الثقة والأمن النفسي للفاعلين لإنجاح الإشراك وجعله فعالا وذا قيمة سواء في طريقة دعوتها لهم التي اعتبروها من أجل “الاستماع” فقط ، وكذلك انطلاقا من قيامها بتنزيل مجموعة من الإجراءات أثناء عمليات التشاور وقبل المصادقة على القانون الإطار.

واعتبر  الباحث أن الفاعل الإداري  قادر على الدفع بالقرارات إلى الأمام أو فرملتها ف “هناك إجماعا على تدخل البيروقراطيين والمؤسسات الإدارية في صياغة ومناقشة السياسات وبطرق مختلفة، بل أن هناك من يرى بأن الإدارة قادرة على صنع السياسة مثلما هي قادرة على إعاقتها”، بحسب جيمس أندرسون.  لكن  هذا التدخل وطابعه الكيفي  (صناعة القانون الإطار كقرار تربوي يدخل ضمن مجال السياسة) يصعب تجزيئه بفصله عن التصورات والمواقف والأهداف غير المعلنة ومصالح فاعلين، لذا يبحث بعضهم عمن يكون له سندا ويعطيه قوة، يمكنه أن يجد هذا في جماعات مختلفة جمعيات أو نقابات أو غيرها، نظرا للمصالح المشتركة، ” إذ تسعى هذه الجماعات للتأثير على أطراف صنع القرار للاهتمام بقضاياها ومشاكلها ودفعها لاتخاذ مواقف أو قرارات لها صفة السياسات العامة لخدمة أهدافها وتحقيق مصالحها، لما تتمتع به من القوة المستمدة من العلاقات المتنوعة والمتداخلة مع راسمي السياسات العامة”، وهو مكا حصل مع الفالعلين الاقتصادي والخارجي.

كما أن غياب التفاعل أوضعف الاشراك في صناعة القرار الاطار وقبله الرؤية الاستراتيجية لا يظهر فقط بين الجهات الرسمية وغير الرسمية ولكن، وبحسب ما توصل إليه الباحث، حتى بين الفاعلين الرسميين في إطار تعدد الاستراتيجيات لخدمة مصالح معينة، إذ هناك:

غياب لآلية واضحة للتفاعل والتعامل  بين البرلمان كفاعل رسمي وسلطة تشريعية  وبين الوزارة كفاعل رسمي كذلك وسلطة تنفيذية، واتضح الأمر في كون الوزارة امتلكت سلطة التشريع سواء عندما غيرت المادة المتعلق بالتناوب اللغوي وطريقة تفعليها. أو من خلال  “الاستفراد بالتشريع” لتحديد السياسة اللغوية التي من مهام  المجلس الأعلى للغات والثقافة المغربية والمؤسسة التشريعية؛

وبمجلس النواب بغرفتيه هناك غياب النقاش الواضح والتفاعلات التي تنتج استراتيجيات فعالة، وغياب المحاججة بين الأحزاب الممثلة للحكومة والمعارضة، وتغيب برلمانيين في اللجن المعنية لأسباب ضعيفة التبرير في مقابل قرار استراتيجي هام سيرهم أجيل وطن بكامله؛

عدم شفافية الوزارة كسلطة تنفيذية مثال ذلك، بحسب ادريوش، أنه الوزارة أصدرت مذكرات لتنزيل مجموعة من مواد القانون الإطار قبل المصادقة عليه من طرف الجهات المختصة، ولما سئل الوزير عن الأمر في البرلمان أجاب : ” الصيغة المرتبطة بالتناوب اللغوي تحمل في طياتها معنى التدرج، كما سيتم تفعيله بعد ست سنوات من خلال مراسيم ستحدد كيفية التنزيل. وهذا يقتضي اتخاذ عدة اجراءات، وفي ظل وجود فراغ قانوني، تبقى المذكرات هي الوسيلة الوحيدة لاتخاذ القرارات، ولم تكن هناك أي قرارات وزارية بهذا الشأن، وسيتم توقيف المذكرات أثناء تطبيق هذا القانون”. في حين أن تلك المذكرات أسست لمنطق في العمل والتدبير ولم يتم التراجع عنها؛

 غياب آلية التنسيق والتشاور بين المجلس الأعلى كمؤسسة دستورية وبين الوزارة كسلطة تنفيذية وهو ما يخلق الارتباك أحيانا كما وقع خلال البدايات الأولى لإخراج الرؤية الاستراتيجة لما أخرجها المجلس وأخرجت الوزارة خلال الفترة نفسها تقريبا رؤيتها وأسمتها التدابير ذات الأولوية. وأشار الباحث أنه حتى عندما يتم التنسيق وفي إطار التفاعل بين المؤسستين فإن الوزارة تتعامل بذكاء مع الأمر، إذ أن بعض “خبرائها” هم من يقدم المشورة والمشاريع للمجلس الأعلى وخبرائه، “لأن نسبة مهمة من أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتكوين نسبة  ليسوا في التعليم وليست لديهم تفاصيل منظومة التربية والتكوين المغربية، ومن طبيعة عمل المجلس أنه يستدعى الخبراء في قضايا معينة، وفي أحيان كثير’ أن مجموعة من الخبراء الذي كان يستنجد بهم كانوا يأتون من وزارة التربية الوطنية”.

وتوقف البحث عند تصورات وقيم وسلوكات بعض الفاعلين وكيف أثرت في المذكرات والمقترحات وفي طريقة اتخاذ القرار، “لأن  المفاوضات عند بعض التنظيمات كانت متجهة نحو تحقيق مصالح فئوية تنظيميا، كل جهة تبحث عن قوى ضاغطة لتكون مع توجهها ولو كانت قليلة لأن المهم عندها الحصول على استفادة مما يخرج به القرار، وانتقل “الصراع” عند البعض من “صراع” ايديو-سياسي إلى صراع مصلحي ينزع إلى التبعيض والتجزيء للاقتراحات والملاحظات بما يخدم التنظيم فقط حتى مع غياب الجانب التربوي فيه في كثير من الأحيان “. وهو ما جعل، بحسب الباحث، أفكار وإيديولوجيا التنظيم تؤثرعلى تصورات الفاعلين واقتراحاتهم وممارساتهم.

وشدد ادريوش  أن هذا “التصادم” بين القيم والمرجعيات المؤطرة للتصورات ، جعل الجهات الرسمية، خصوصا الوزارة بجهازيها الإداري والسياسي، تتبنى مجموعة من الاستراتيجيات الهامة في استغلال الاختلاف بين جميع الفاعلين الآخرين و استقطاب آخرين في إطار تفاعلها معهم،  مضيفا على أهنا استلهمت عن وعي أو عن غير وعي نموذج باروزوBrroso الذي قدم نموذجا لبناء القرار التربوي تتأسس تحالفاته على ثلاثة أضلاع: في جانب هناك تحالف تاريخي ما بين الدولة ومدرسين بممثليهم المتجلين في المركزيات النقابية والجمعيات المهنية وفيه نوع من الضبط الهيآتي والبيروقراطي، وهو يتعارض مع الضبط بواسطة السوق الذي يمثله الضلع الثاني المتأسس بين الدولة وأولياء التلاميذ أو الجمعيات الممثلة لها ، ثم الضلع الثالث المتعلق بالضبط الاجتماعي الذي يستلزم اتفاقات ما بين المدرسين والآباء وتواجد شبكات.

وخلص الباحث إلى مجموعة من الاسنتاجات والخلاصات أهمها يتجلى في كون :

  • المؤسسة الملكية كفاعل رئيس ومهم في القرار التربوي تحولت من فاعل يحدد اللجن والتوجهات مع القرارات الاستراتيجية السابقة إلى حدود الميثاق الوطني، إلى موجه وداع لإصلاحات في القطاع منذ البرنامج الاستعجالي إلى القانون الإطار ؛
  • السياسات التعليمة في المغرب الإشراك الفعلي شبه غائب في صناعة واتخاذ القرارات التربوية وهو ما كان  كذلك في القانون الإطار، وفي حالة حضوره فإنه يتأرجح بين الشكلية والصورية؛
  • القرار التربوي في السياسات التعليمية في المغرب يشتغل وفق مبدأي  العمودية والمركزية في صناعته تقابلها آليتا الاستيعاب والتكيف، يوجههما الصراع والاحتواء؛
  • مرجعيات وقيم وسلوكات الفاعلين غالبا ما تؤثر على تصوراتهم واقتراحاتهم لصناعة القانون الإطار  وتعبر عن أفكارهم وإيديولوجياتهم من خلال مجموعة من المفاهيم والمواقف والممارسات ؛
  • الولاء التنظيمي حاضر ومتوغل في تصورات الفاعلين ووجدانهم خلال صناعة واتخاذ القرار التربوي.
  • اختفت وراء تصورات الفاعلين للقرار التربوي غايات تنظيمية ورهانات سياسية ومصالح شخصية، وأضحى استغلال المعتقد وخدمة التنظيم والتماهي مع اختيار دون آخر  توجها عاما يتراوح بين الثبات واللحظية، مما ساهم في ضمور اقتراحات بعض التنظيمات وهيمنة فاعلين بعينهم  وإشعال صراع هوياتي..

وتجدر الإشارة إلى أن الباحث اعتمد على المنهج الكيفي مستعملا تقنية المقابلة نصف الموجهة بمحاورة مجموعة من المسؤولين النقابيين ومسؤولي جمعيات تربوية وسياسية. كتقنية مهمة وأساسية في مثل هذه البحوث ، لأن البحث لم يقتصر على البعد المؤسساتي من خلال من خلال عرضه لمؤسسات وتنظيمات متدخلة بشكل أو بآخر في صنع القرار وتقديمها بطريقة تقريرية، وإنما تعلق الامر بتحليل سوسيولوجي لعملية صناعة واتخاذ القرار التربوي، انطلاقا من دراسة السلوكات والتصورات ومختلف الأبعاد الاجتماعية لصانعي القرار وتأثيرها على آدائهم أثناء السيرورة القرارية، وتصورات صانع القرار حول القرار المتخذ وإدراكه للواقع الاجتماعي وللمشكلة القرارية، وكذا فهم وتحليل التفاعلات التي تحدث بين صانعي القرار من جهات  رسمية وغير رسمية. وذلك بمحاولة الإجابة عن مجموعة من التساؤلات التي ظلت غائبة في البحوث الأكاديمية حول صناعة القرار التربوي من قبيل : من قرر بخصوص القانون الإطار كقرار تربوي وما هي خلفياته؟ ماهي المساحة الممنوحة للفاعلين من أجل النقاش والتحرك والترافع حول القانون الإطار؟ ما هي التمثلات والقيم التي يحملها الفاعلون والمتدخلون وما مدى توافقها مع نقاشاتهم واقتراحاتهم؟ ما هي الأسس النظرية لصناعة واتخاذ هذا القرار التربوي وعلاقتها بمرجعيات الفاعلين؟ ما هي العوامل المؤثرة في العملية؟ كيف يمكن قراءة الظاهرة القرارية في علاقتها بالواقع الاجتماعي؟ ألا يمكننا الحديث عن  قرار تربوي عقلاني ورشيد ؟ كما اعتمد على تقنية تحليل المضمون انطلاقا من وثائق جلسات مناقشة القانون الإطار في البرلمان بغرفتيه خصوصا جلسات لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب وجلسات لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاحتماعية بمجلس المستشارين.

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...