المخرج السينمائي والتلفزيوني والسيناريست محمد اليونسي لـ “اليوم السابع” لم أعد متفائلا بحال السينما المغربية حاليا
يقول: ما أظن في القريب العاجل أن يكون هناك فرج أوصلح مغربي جزائري حتى تُقبَر قضية البوليزاريو المفتعلة

■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■

حلقة حوار ، تنفتح على مختلف الفعاليات الثقافية والفنية والفكرية وصناع القرار السياسي وكذا التعبيرات الاجتماعية والمدنية ..بشأن قضايا راهنة وأسئلة ذات صلة بمجال تموقعهم وفعلهم وآفاق العمل.
حوار اليوم يستضيف المخرج السينمائي محمد اليونسي ليتحدث حول تجربته وبداياته مع المسرح والسينما . الحوار تمت فيه إثارة فيلم “الوشاح الأحمر” الذي قارب قضية معاناة المغاربة المُرحَّلين من الجزائر… والتحول من السينما إلى الدراما مع المسلسل الرمضاني ، و يجيب عن سؤال حال وأفق السينما المغربية وتقييمه لآلية دعم المركز السينمائي المغربي ثم نختم الحوار بجديد أعماله الروائية والسينمائية والسيناريو.فلنتابع

القنيطرة:اليوم السابع-حاوره:جواد الخني///
س : لماذا اختيار السينما ؟
ج : السينما كانت المحطة الأخيرة في التجربة التي مررت بها، لقد بدأت كمعظم الشباب بممارسة المسرح بالإعدادي ثم الثانوي ثم انتقلت إلى دار الشباب لتطوير قدراتي الفنية، علما أنه في وقتها لم تكن المعاهد المختصة في المجال الفني قد وجدت طريقها إلى النور، فكانت الطريقة الوحيدة للاقتراب من هذا العالم الجميل هو الهواية، وبعد التدرج في المسرح من ممثل إلى مساعد مخرج إلى منتج، أتيحت لي فرصة التعرف عن قرب عن عالم السينما من خلال دورة تكوينية في تقنيات كتابة السيناريو، فأغرمت بهذا العالم الجذاب، علما أني كنت من مدمنين مشاهدة الأفلام كجيلي السابق، حينها قررت خوض المغامرة داخل هذا العالم الغامض بالنسبة لي، لأن صورته سحرتني منذ الطفولة، وجعلتني أتعلم أشياء كثيرة عن العالم الخارجي كما العوالم الأخرى التي يدور في فلكها كل العلوم الانسانية، لقد شعرت بسحر الصورة وتأثيرها، فانغمست في تطوير إمكانياتي الفنية داخل السينما، وكانت الخطوة الأولى هي متابعة الدارسة في تقنيات كتابة السيناريو.

س : بعد أفلام “ألو 15″، و”بنيكس”، و”الوشاح الأحمر”، وإخراج عدة أشرطة قصيرة منها “أب وإبن”، و”زيارة ليلية” و”الحبق”، و”بروطكان”، و”أمل”، وشريط “الدمية”، و”مسافر”.. في “دقات القدر” اخترت دق طبول التاريخ بالريف، لماذا هذا الاختيار للذاكرة الجماعية ؟
ج : هذا الاختيار لم يأت صدفة، إنما هو كان نتيجة لمراحل سبقته، حيث كانت المرحلة الأولى هي إخراج مجموعة من الأشرطة القصيرة التي فاقت التسعة أشرطة، وكانت مرحلة تعليمية أكثر منها تعبيرة، حيث كان الهدف منها التمكن من تقنيات الصورة والإخراج، بعدها أتت مرحلة إخراج الفيلم الطويل والتي انقسمت إلى مرحلتين، المرحلة الأولى وكانت مرحلة البحث عن الذات وإثبات التفوق التقني، أما المرحلة الثانية فكانت مع انطلاق فيلم “الوشاح الأحمر” ، حيث بدأت مرحلة النضوج الفكري، وتحديد الرؤية الفلسفية التي سأعتمد عليها في تناول المواضيع السينمائية، لأني شعرت أني تجاوزت مرحلة البحث عن الذات، وبدأت مرحلة التعبير عما يخالجني من أفكار وهموم اتجاه هذا العالم الذي نتقاسمه مع الآخر، فكانت الانطلاقة بفكرة توثيق التاريخ سينمائيا وخصوصا ما يهم بلدي ووطني، فأخرجت فيلم “الوشاح الأحمر” الذي يتناول موضوع إغلاق الحدود مع الجارة الجزائرية، ثم بعدها اشتغلت على قضية قصف الدول الاستعمارية لشمال المغرب بالغازات السامة وذلك بفيلم “دقات القدر”. وسيَليه فيلم آخر لإغلاق هذه الثلاثية حيث سيتناول موضوعا تاريخيا من الذاكرة الجماعية أيضا.

س “الوشاح الأحمر” قاربت قضية معاناة المغاربة المرحلين من الجزائر، كيف عشت هذه التجربة وكيف تنظر إلى العلاقات المغربية الجزائرية وآفاق وحدة مغاربية ؟
ج : كانت تجربة صعبة بكل المقاييس، لأن الأفلام التاريخية مكلفة ماديا ومعنويا، وصندوق الدعم السينمائي ميزانيته صغيرة جدا لإنتاج أفلام تشرف المغرب وتستطيع فرض هيبتها داخل السينما العالمية، لذلك ما عانيته خلال تجربة تصوير الفيلم التاريخي “الوشاح الأحمر ” لا أستطيع أن ألخصه في حوار واحد، لكنها كانت تجربة أفادتني كثيرا على مستوى الإنتاج، وأصبحت أراعي بعض الشروط خلال كتاباتي للسيناريوهات التي أتت من بعده، أما الشطر الثاني من سؤالك فإجابته تكمن داخل الفيلم نفسه، لأن إثارتي للموضوع في حد ذاته كان صرخة في وجه البلدين وإشعارهما أن القضية أصبحت من أقدم المشاكل في العالم التي لم تحل بعد، وهذه وصمة عار على جبين البلدين، لقد حاول الملك محمد السادس من توليه العرش إلى إقبار هذا الخلاف، لكن الجارة الجزائرية غالبا ما تتجج بأسباب واهية أو بأسباب نشعر أن من ورائها أياد خارجية لا تريد لهذا الصلح أن ينبثق، فما بالك بوحدة مغاربية، ما أظن في القريب العاجل أن يكون هناك فرج أوصلح حتى تقبر قضية البوليزاريو المفتعلة.

س : من السينما إلى الدراما مع المسلسل الرمضاني “حب تحت عتبة الفقر ” كيف جاء هذا التحول ولماذا اختيار التلفزيون ؟


ج : هو ليس بتحول أكثر منه ضرورة، كما تعلم فالاشتغال بالسينما صعب ويتطلب وقتا كثيرا، لذلك تجدني أشتغل على فيلم واحد ما يقارب الأربع سنوات، لذلك فكرت في الالتحاق بالتلفزيون حتى أتمكن من الاشتغال أكثر وإتاحة الفرص لصقل الموهبة أيضا، لكن كان أمامي عائق واحد وإني أحاول التغلب عليه، وهو وجود سيناريوهات جادة، لأنني لا أستطيع المواضبة على كتابة كل سيناريوهاتي، فأنا بالكاد أكتب للسينما، وعندما وجدت سيناريو “حب تحت عتبة الفقر” المكتوب بحرفية تقدمت به إلى التلفزيون الذي رحب بي وبالسيناريو، وكانت البداية، وأتمني أن تنبثق عنها مجموعة مشاريع نتحف بها المشاهد المغربي الغيور على منتجات بلاده.

س : حال وأفق السينما المغربية ؟
ج : كنت دائما من المتفائلين بمستقبل السينما المغربية والمدافعين على ما حققته من خطوات جبارة وسباقة من حيث الكم والكيف، لكن حل اليوم يصبح مشكلة الغد، وأظن أنه حان الوقت لتغيير بعض المكتسبات، كما وجوب إضافة مجموعة من الاقتراحات لنتماشى مع التطور السريع الذي تعرف الساحة السينمائية العالمية، لقد بدأت بعض الدول الجديدة سينمائية تتبلور وتتطور وتكسب اهتمام العالم للاهتمام الذي بدأت توليه لسينماها، لذلك فأنا لم أعد متفائلا بحال السينما المغربية حاليا، كما بدأت أشعر بالخوف من المستقبل، إن نحن صرنا على هذا المنوال، بدون تغيير لا سياسيات متوسطة أو على المدى البعيد، وكفانا من الارتجالات، حيث كلما تغير وزير نبدأ من الصفر، فالسينما المغربية تحتاج إلى سياسة واضحة، يسهر عليها أطر مثقفة وملمة بالسياسات الثقافية ومختصة في المجال السينمائي، تحلل مكامن الخلل من بداية حلقة الصناعة السينمائية حتى نهايتها، يعنى من كتابة العمل مرورا بمرحلة لجنة الدعم إلى مرحلة الإنتاج حتى مرحلة التوزيع إلى مرحل الأرشيف، وصدقوني إن قلت لكم أن كل المراحل تعرف خللا إن لم أقل أكثر، كما تطغى المصالح الفردية على المصلحة العامة للسينما المغربية.


س : كيف تنظر إلى آلية دعم المركز السينمائي المغربي، هل من تقييم لهاته التجربة ؟ وهل ساهمت في تطوير العمل السينمائي ؟
ج : كما قلت سابقا كنت من المدافعين على المكتسبات التي حققتها السينما المغربية ومن ضمنها آلية دعم المركز السينمائي، لكن بعد تقييم هذه التجربة لمدة تراوحت العشر سنوات، من 2010 إلى غاية 2020، لاحظت شخصيا تقاعسا كبيرا في دوره هذه الآلية.

وأنا لست من المطالبين بإلغاء هذه الآلية كبعض المترامين على الميدان، لدورها الهام في الحفاظ على حياة السينما المغربية، لكن أصبحت أنادي بضرورة تغيير آليات اشتغالها وكذلك زيادة سقف ميزانيتها حتى يتسنى للاستفاذة لأكبر عدد من العاملين بهذا الميدان في السنة الواحدة، لا يختلف إثنان أن آلية دعم المركز السينمائي حافظت على السينما المغربية من الاندثار، لكن هذه المرحلة قد طالت، ويجب أن ننتقل إلى مرحلة أخرى تهتم بالتطور والارتقاء بالسينما المغربية إلى ما هو أفضل، ودور آلية دعم المركز السينمائي يعتبر رئيسيا لذلك يجب الاهتمام بها كثيرا، فهي تعد الباب الوحيد الذي يفرض علينا ما نشاهده خلال السنتين القادمتين، وإن نحن لم نحسن اختيار أعضائها بدون إرضاء طرف ما أو حزب ما أو علاقة ما، فسنكون قد اجتزنا نصف الامتحان بنجاح، ويمكن لأي باحث أن يستخرج أسماء أعضاء اللجان السابقة ونوعية الأفلام المدعمة التي ساهمت فيها خلال العشر سنوات الأخيرة وسيظهر الفرق للعيان بل سيظهر أن جل الاختيارات كانت في خط تنازلي لا من حيث الاختصاص السينمائي أو من ناحية القيمة الفكرية والثقافية للأعضاء، زيادة على آليات اشتغال اختيار الأفلام فأغلب ما لاحظت سواء خلال النقاشات العامة أثناء المهرجانات أو خلال اللقاءات الخاصة أثناء الغرف المهنية أو حتى خلال المرور أمام لجنة الدعم تبين لي أن أغلب الاختيارات تكون انطباعية إما لعدم قدرة بعض الأعضاء على حسن قراءة السيناريو أو للعلاقات المتشعبة التي تحكم المصالح الفردية، لذلك أقول فآلية دعم المركز السينمائي لم تساهم في تطوير السينما المغربية وإنما ساهمت في الحفاظ على رمق العيش لها فقط.

س : الآن نعيش مرحلة دقيقة في حياة الإنسانية بتداعيات صحية واجتماعية وثقافية على كافة مناحي المجتمع، فما هي آثار هذا المتغير علي الصناعة السينمائية؟
ج : هذه الجائحة كانت مفاجئة لكل العالم، لم تكن لتستثني شعبا أو دولة ما، لقد فاجأت كل التوقعات، ونتمنى أن لا يطول مكوثها معنا فهي ضيفا ثقيلا على القلب، وخصوصا عندما بدأت تأثر على معيشة الناس سواء بالعالم أو بالمغرب، ففي مجالي الذي أعرفه ، فقد تأجلت جميع الأعمال التي كانت تصور قبل الجائحة، ولحسن حظي كنت قد أنهيت تصويري لسلسة ” حب تحت عتبة الفقر ” بأيام قليلة فقط، لكني لم أستطع أن أنهي جميع مراحل الإنتاج، فتابعت مرحلة المونتاج والميكساج وكذلك الموسيقى التصويرية تابعتها من بيتي، كما اضطررت لتأجيل بداية تهييءالفيلم الجديد، وأوقفت مجموعة من الاتصالات التي كانت جارية مع بعض التقنيين العالمين لاستقطابهم للاشتعال معي بالفيلم القادم، لقد توقف كل شيء، وما أحمد الله عليه هو القدرة على الكتابة التي جعلتني وتجعلني دائما في تمرد على نفسي وعلى الظروف التي تحيط بي.. لذلك فتأثير هذه الأزمة كما سبق لي وأن قلت، سيكون تأثيرا على مراحل، وضريبتها نتمنى أن لا تكون أغلى مما توقع العالم، وخصوصا في الأنفس، صحيح سيكون تأثيرها واضحا على الاقتصاد العالمي وليس الوطني فقط،

لذلك فنحن في هذا القطاع كباقي القطاعات الحيوية ببلادنا، لقد تأثرنا مباشرة بمجرد ما توقفت الأعمال، أما على الصعيد المتوسط المدى، فخسائر هذه المهنة سيكون كارثيا إن لم تقم الدولة وليست الحكومة فقط بتدخلات تنقذ به هذا القطاع، فمعظم الفنانين لا يتوفرون على مداخيل قارة أو لهم من المدخرات التي تستطيع أن تأمن لهم قليلا من مستقبلهم، فالقطاع الفني كالقطاعات الغير مهيكلة، لذلك أقول أن الفنانين من أكثر المتضررين خلال هذه الجائحة، لأن ما نلمسه هو تأثير مباشر فقط، أما ما سيؤول إليه الوضع مع مرور الوقت والجائحة، فالله أعلم به..

س : كمخرج تشاهد السينما، ما هو آخر عمل شاهدته وأثر فيك ؟
ج : آخر عمل شاهدته أمس هو عمل لفيلم من رسوم متحركة حائز على جائزة أوسكار، ألا وهو عمل كوك، الذي أثر في كثيرا لما يحمله من حمولة فلسفية تسلط الضوء على مفهوم حرية الاختيار داخل حضن العائلة، إلى جانب مفاهيم أخرى لا تقل أهمية عليها.

س : ماذا عن مشاريعك الحالية والمستقبلية ؟
ج : أنا في طور كتابة روايتي الثانية ، والتي أخدت مني وستأخذ الكثير من الوقت طبعا ، وموازاة معها أعكف على إنهاء بعض السيناريوهات الموجهة للتلفزيون، كما أضع اللمسات النهائية على سيناريو الفيلم الجديد.



