تقديم:
تمرُّ كتابة الرواية عبر شروط أساسية وأركان رئيسية نذكرها كالتالي: (الشخصيات، الزمان، المكان)، وأما الباقي فهو يتبعها أو يتناسل انطلاقا من تفاعلها، كالأحداث والبناء واللغة وجزئيات أخرى، لهذا فإني أرى أن الروائي عامة يبني نظرته إلى العمل الذي بين يديه على إحداها أو أكثر، ويبقى الزمان هو الشرط الذي يفرض نفسه حتى مع عدم ذكره، لأن كل حدث لا مندوحة يحدث في زمن، وكل شخصية لا مناص تتحرك في زمن، و قد نجد روايات عظيمة تتأسس فكرتها انطلاقا من التسلسل الزمني للأحداث كما في الرواية التاريخية مثلا. وهذه المرونة التي يتميز بها عنصر الزمن في الكتابة الروائية هي من أكبر دوافع الكُتَّاب إلى بناء مجموعة من التقنيات على أساسه، لأن الزمن عموما هو الخيط السحري الرابط بين الأحداث الضامنة لتسلسلها المنطقي والضابط لإمكانية فهم عناصر أساسية كالاسترجاع والاستشراف والاستذكار وغيرها.

ما هو الزمن إذن؟ وما هي أنواعه؟
مفهوم الزمن في الرواية:
الزمن مفهوم ملتبس لا يمكن الإلمام به ولا يمكن الالتفاف على كل معانيه، وهو في الفلسفة مرادف للأخلاق، لأن إدراكه كما يرى “كانط” هو السبيل الوحيد إلى البحث عما وراء الحقيقة الأكيدة التي يوقن بها الإنسان، وهي الموت، ولابد أن نشير إلى أنه لكل إنسان زمنه الخاص، بل لكل مخلوق زمنه الخاص، فضلا عن الزمن المشترك بين المخلوقات، وربما يتعاظم الإشكال أمام أعيننا إن تساءلنا: ماذا كان سيحصل لولا وجود الزمن؟
ومع أنه مفهوم ملتبس ويحمل الكثير من المعاني والدلالات، يمكننا أن نُجمل القول بأن الزمن هو الخط الوهمي الرابط بين الأحداث. فَقَبْلَ أن يبدأ المهندس برسم حدود ملعب كرة القدم، وقبل أن يضع الخط الأبيض الذي تدركه الأبصار، يكون عليه في كل مرة أن يغرس بين نقطتي كل ضلع منه وَتَدَيْنِ ويربط بينهما بحبل مشدود من الطرفين، فيأخذ آلة الرسم ويتبع الحبل دون أن يرفع رأسه أو يتفحص المكان، لأنه يدرك مسبقا أن الحبل لن يخطئ الهدف، وأنه لن يضل الطريق ولن يُحدث اعوجاجا في الخط. وعندما ينتهي من رسمه على رقعة الملعب، يكون لزاما عليه إزالة الحبل الوهمي كي لا يصير عقبة تعيق اللاعبين الذين يعتبرون الخط الأبيض هو الحاجز الذي لا يمكن أن يتعدوه. ذلك الحبل الذي يصير خطا فيما بعد، هو الزمن الذي لا يمكنك أن تصنع الأحداث خارجه.
لا يمكننا أن نكتفي بتقسيم واحد ووحيد لأنواع الزمن، وسنكتفي هنا بأربعة تقسيمات، أولها الزمن المتسلسل والزمن المتقطع، وثانيها الزمن السريع والزمن البطيء، وثالثها الزمن الذاتي والزمن الموضوعي (زمن الشخصية وزمن الأحداث)، ورابعها زمن السرد وزمن الحكاية.
أنواع الزمن في الرواية:
الزمن المتسلسل والزمن المتقطع: الزمن المتسلسل هو الزمن الرتيب الذي تأتي أحداثه متتالية خاضعة لدورة الأيام العادية، تماما كما نرى في كتب تاريخ الدول التي توضع فيها التواريخ متتالية من السابق إلى اللاحق دون تقديم أحدها عن الآخر. أما عندما يتيح الكاتب لنفسه إمكانية تقديم زمن لاحق أو تأخير آخر سابق، فإن الأمر يتعلق بالزمن المتقطع. وإذا كان الزمن المتسلسل يُتّهم بالرتابة والملل في بعض حالاته، فإن الزمن المتقطع يفترض أن يكون الكاتب متحكما في آلياته الروائية لكي لا يجعل القارئ يفقد الخيط الرابط للأحداث عن طريق إقحامه في دوامة الاسترجاع والاستشراف.
الزمن السريع والزمن البطيء: إن الزمن المتسلسل نفسه يخضع للكثير من الظروف خلال عملية الكتابة، حيث يجد الكاتب نفسه مضطرا للوقوف على بعض اللقطات طويلا، والإفاضة في وصف جزئياتها حتى يحس القارئ أن الزمن يتحرك بالثواني، وذلك هو الزمن البطيء، وهنا أشير إلى مشهد وصف الذبابة على وجه الدركي كما وصفتها البطلة في روايتي “الكوابيس”، حيث كانت تصف حركاتها على صفحة خده ثم على أنفه حتى كادت تسير فوق عينيه، بينما كان الدركي منشغلا عن الذبابة بكتابة المحضر، أما البطلة فكانت تتمنى لو أنها ارتمت عليه من وراء الحاجز وطردت الذبابة حين أحست كأنها تسير على خدها هي، وهنا نجد كم أن الزمن يسير ببطء شديد. وقد ينتقل الكاتب إلى اعتماد الساعات ثم الأيام فالشهور فالسنوات، وهنا يصير الزمن أسرع مع الانتقال من مرحلة إلى أخرى، كما قد يضطر الكاتب إلى القفز على مراحل زمنية وترك فراغات، حينها يجد نفسه مضطرا إلى إخفائها عن طريق استعمال تقنيات معينة.
الزمن الذاتي والزمن الموضوعي: عندما نتحدث عن الزمن النفسي الذي تحسه الشخصية وتعيشه، كالحديث عن العمر والشيخوخة أو فترة الحيض بالنسبة للمرأة أو المرض الدوري أو مثلها، فإننا نقصد الزمن الذاتي الذي تحسه الشخصية وتعيشه في كل فعل وكل حركة، وهو الزمن الداخلي الذي له علاقة كبيرة بأحاسيس الشخصيات، ولكل شخصية في الرواية زمنها الخاص. أما عندما نتحدث عن زمن الحكاية عموما فذاك الزمن الموضوعي، والذي قد نعتبره كذلك زمنا خارجيا، كالحديث عن المرحلة التاريخية أو زمن الدولة أو الزمن المناسباتي كرمضان بالنسبة للمسلمين أو من تظاهره عالمية رياضية أو سياسية أو غيرها.
زمن السرد وزمن الحكاية: مفهوم تطرق له الكثير من دارسي الأدب باعتباره أول ما يمكن أن يثير الانتباه خلال دراسة الزمن في الرواية، حيث يقسمه إلى قسمين اثنين واضحين، زمن الحكاية، أي زمن الأحداث التي تتحدد انطلاقا من الأفعال والصيغ الصرفية تارة، أو من التواريخ تارة، أو من علامات تاريخية تارة أخرى، كالحديث عن عام الفيل مثلا، أما زمن السرد فهو زمن التدوين والكتابة، والحديث عنه يقودنا بالأساس إلى التعرف على السارد أو الراوي، ومن أجل توضيح الفكرة سأعطي مثالا برواية “وزير غرناطة” لعبد الهادي بوطالب، والتي تحكي عن دسائس القصر في دولة بني نصر خلال الحكم المريني بالمغرب، وبذلك فزمن الحكاية هو القرن السابع الهجري، أما زمن السرد فهو القرن العشرون.
قد لا نتوقف عند هذا الحد ونتكلم مثلا عن الزمن الدائري المقابل الشرعي للزمن التاريخي حسب “باختين”، والزمن الدائري هو زمن الفصول المتكررة في شكل دورات، كحياة الإنسان وحياة الأشجار والفصول وغيرها، وهنا يحق لنا أن نعلن أنه زمن مسترجع على حد قول “مارسيل بروست”، إنه زمن باستطاعتنا أن نسترجعه رواية، وهو يتحقق بالخصوص في الحكاية الشعبية والأسطورة، وذلك عندما يعيد إنتاج نفس الإحساس في المستمع أو القارئ، ويجعلك تعيش نفس اللحظة في كل مرة تستمع إلى نفس الحكاية.
كما يمكننا أن نتحدث عن تقنية توقيف الزمن في الكتابة الروائية، وهنا يتساءل القارئ: متى يتحقق ذلك؟ يتحقق هذا في لحظة الوصف، وهي تعتبر فرصة لاستراحة القارئ من الركض المستمر خلف الأحداث المتسارعة، وذلك حين يقف في لحظة معينة ويبدأ بوصفها، لهذا فتوقيف الزمن هنا هو حديث فقط عن زمن القراءة.
لم يكن الزمن وسيلة فقط لرسم الخط الرابط للأحداث في الرواية، بل لقد كان دائما أداة فعالة بيد الكاتب، عن طريق الالتجاء إلى مجموعة من التقنيات التي تخول له إمكانية تطوير الأسلوب ودرء الرتابة عن طريق التلاعب بالأحداث



