قصة قصيرة .. المذكرة الملعونة .. عبد الله أعدي

اليوم الأول: (” هاهي تلج عيادتها الصغيرة القابعة هناك عند آخر أحياء هذه البلدة الصغيرة، ألمحها من الشرفة وفي يدي فنجان ساخن تحتله قهوتي السمراء، متسائلا في قرارة نفسي، كيف عادت إلى عملها  مباشرة بعد زمن الحجر الصحي؟ كيف تجرأت بُعيْد زمن وباء الطاعون الذي ضرب المدينة أن تستأنف عملها؟ لا يهم مادامت قد ظهرت بمحياها المبتسم وزيّنت ساحة الحي بقامتها المنحوتة، ومشيتها الطاووسية المتغنجة، وشعرها الأشقر المنسدل على هيئة ظفيرة ذهبية خلف ظهرها تتراقص في انسجام تام مع إيقاعات صوت كعب الحذاء الأحمر، ذي الصنع الفرنسي؟” ).
فكانت هذه المقدمة كل ما جادت به جعبته من كلمات صباحية، التي تسيدتها الطبيبة النفسية الشقراء كافتتاحية لكتاباته على مذكرته الصّائمة، فمنذ إعلان الحجر الصحي كاحتراز من الوباء المتفشي، توقفت دار النشر عن الطبع، بعد أن كان يشتغل بها كمراسل محلي، وصاحب عمود مقالات، والآن شرع الصحفي الوحيد في عزلته، الغارق في عطالته، يحاول العودة لمداعبة قلمه ومذكرته، ليدوّن يومياته في زمن الطاعون، لكنه عجز مرّات وكرّات، حتى جاءت الطبيبة الشقراء لتستأنف عملها الإنساني داخل عيادتها  كفأل خير عليه، لعلها توقد فيه من جديد ذلك الشغف في إغواء الورقة كي يغازلها القلم بحبره المتعطش للتدفق، والغريب أنه امتنع عن افتضاض عذرية مذكرته البكر منذ سنين خلت حين جلبتها له حبيبته الأندلسية كهدية عيد ميلاده ذات صائفة غابرة، لفت انتباهه تفرد المذكرة بجلدها المتقادم الذي يكسو غلافها، وورقها الأصفر المطاطي اللين واللامع، وتذكّر كيف أن الخليلة الإسبانية كانت قد روت له قصة غريبة، يكتسيها غموض مفزع حول المذكرة “اللعينة” على حد وصفها الدائم لها، أو كما أخبرها العجوز الغرناطي من المتحف حين ابتاعتها منه، لم يكثرت واعتقدها مزحة من مزحات عاشقته المألوفة والتي اعتاد مناداتها بالغجرية المجنونة، واليوم شاءت الأقدار أن تفيض عليها أولى قطرات المداد الأحمر القاني المرتشَفة بريشة خشبية حادة الرأس حين تُقَبّل فوهة محبرة مشبَعة، فيفيض من جنباتها كدماء عسلية مندلقة..
اليوم الثاني : (” منتظرا الطبيبة الشقراء ذات الكعب الفرنسي أن تمر كالمعتاد، كنت قد حجزت بعناية على الشرفة المقدسة زاوية نظر تروي عطش الشوق المستجد، وتشبع فضولا يرتكن في الخلج صار ينمو بسرعة تفشي الوباء، كل هذا التخطيط القبلي لكي أحظى برؤية شاملة لهذا المشهد الپانورامي، كي أحاكي نوعا من الإشباع للفرائس.
تمر إلى عيادتها، وتخرج عصرا، ولازلت أمشي وأجيء من الشرفة إلى مكتبي في حيرة مريبة، أي لغز هذا تكتنزه الشقراء اللعوب، وأغوص في احتمالاتي وافتراضاتي المتناسلة حتى تغفو عيني عشية، لأستيقظ بعد منتصف الليل.”).
وهكذا ختم الصحفي العاطل الصفحة الثانية من المذكرة بنقطة حبر حمراء كهضبة صغيرة على أسفل الورقة.
اليوم الثالث: (” منذ هاجرت معشوقتي الغجرية إلى موطنها الأندلسي للأبد، بِتُّ وفيا لعادات كثيرة ، فظلّت تسكنني كطيفها الحاضر معي، على الشرفة ذاتها أطل فجرا، أرفع وجهي إلى السماء حيث بدأ ينقشع عليها بياض مضيء على الأفق من جهة الشروق، أحاول التهام نسيم الصباح، والغوص في أعماق زقزقة العصافير،.. هاهو فقيه المسجد الشيخ الوقور صاحب اللحية الكثيفة والطويلة، يتجه نحو المسجد ويهمهم بأدعياته وتراتيله، يلج الباب المنتصب أمام شرفة منزلي، ينزع نعليه ثم يتأبطهما ليلج تلك المنطقة المضيئة وسط هذا الظلام، و خلفه يعود جاري الذي يسكن قرابتي إلى منزله، هو سيد خفيف الظل، رجل كهل متقاعد من الخدمة في المناجم، ثملا كعادته، يتمايل ويلتطم جسده ذات اليمين وذات الشمال بجدران الأزقة الضيقة، يقف عادة تحت دالية عنب ليستجمع قواه كي يقتدر على انتشال المفتاح و فتح باب منزله، ليتمكن من الدخول وإحضار بندقيته ذات المقبض النحاسي، قبل أن يرتدي لباس الصيد ليكمل رحلته اليومية المعتادة، بين السكر وصيد الحجلات، والأرانب، والخنازير البرية..  وفجأة تصل هذه اللحظة المنتظرة، الثائرة على المنطق، والكابحة لإدراكات العقل، حيث يتوقف الزمن جامدا، وتنطلق نغمات من دون سابق إنذار، هو عزف على الكمان فائق الروعة، ومتوغل في السحر، تخرس له حتى أعذب الطيور، أحاول استكشاف مصدره، ويتبين أنه من بيت الشيخ الوقور، إمام المسجد!”)
تنتهي الصفحة الثالثة ليغط الصحفي العاطل في نوم عميق على إيقاعات العزف السمفوني الماهر.
اليوم الرابع :(” أفتح عيني بعد ان اخترقت خناجر شمس النهار بوابة الشرفة، هناك أمام مغسل الموتى الذي يحاذي المسجد تراتيل حزينة، على إيقاعات جنائزية لميّت يوارى مثواه الأخير، أقف منتظرا أن تفيض القهوة من طاستها الحديدية الصغيرة كي أسكبها على فنجانها المنتظِر، أرتشفه وسط متاهة التساؤلات الأنطولوجية التي تجمع بين هذه الكيانات المحيطة بي، سأجن إن أنا أطلت في التنقيب عن هذه التشابكات الوجودية سأجن لا محالة، سأذهب إلى الطبيبة النفسية كي تكشف عني، وتضع حدا لانجرافات وعيي، ولم لا تكون فرصة مفتعلة للتعارف..”)
يغلق المذكرة بنوع من القلق الماكر ويتجه الصحفي العاطل صوبها.
اليوم الخامس: (” لقد ولجت عيادتها، سأصارحك أيتها المذكرة الغامضة، لقد اقتربت منها وكانت أشبه بملاك يكسوه لحم شفاف، نسيتُ لوهلة جميع انشغالاتي، وانقشع الضباب المسيطر على وحدتي، أحسست بكيانها الشرس يلتهم ما تبقى من رواسب الغجرية الإسبانية، رويت لها بلهفة وكانت منصتة بشكل مغرِق، أفشيت لها حيرتي من كل ما يقع من حولي، تفطّنتْ بألم الحجر الصحي ووقعه على نفسيتي، وكيف أربك إدراكاتي، أمرتني بالتهدن، والترزن وكأن عينيها تقولان لي أنها تعرف ما تكتنزه سريرتي، فبادرتني بصعقات فجائية، لتسترسل في حكيها المتناغم مع بحة صوتها الشجي انصهرت معه مسامعي: 
أنا أيضا أطل ليلا من شرفتي، دون ان تشعر بي لألمحك ترتشف فنجانك الليلي تحن وقع ضوء النجوم، تنتظر لحظة الفجر لترمق الشيخ إمام المسجد، وابنته ذات العشر سنوات مجنونة آلة الكمان، الطفلة تنتظر والدها الشيخ حتى ينسحب إلى المحراب لتنطلق في العزف على الكمان الذي أهدته لها مُعلّمتها الأجنبية قبل سفرها الأخير، إبانها لمست فيها موهبة متوهجة، آمنت بأنها ستنفجر يوما، فكانت الابنة تخفي آلتها المقدسة عن أعين الأب المتشدد، وتغتنم دقائق الفجر من كل يوم..
لقد نمتَ البارحة ولم تعِ بما حصل، لقد عاد الإمام إلى المنزل قبل انتهاء مراسيمه على غير العادة، وسمع ذلك العزف يتسلل من باب منزله باستغراب ناكر، استشاط غضبا وأخرج الطفلة بصراخ متأجج، رماها خارجا ساخطا عليها وشرع يصفع المسكينة مُكسّرا عليها بكل عنف تلك الآلة الخشبية اللاّمعة على رأسها الهش، وتزامن هذا مع خروج الرجل متقاعد المناجم للصيد، وهو ما لم يستحمله من فظاعة المشهد، ليستل بندقيته الخاصة بالصيد ويفرغها في صدر الأب شيخ المسجد، منتصرا لبراءة طفلة ذنبها الوحيد أنها تعشق الموسيقى..
أنهت الطبيبة كل هذا البوح لأجد نفسي أكثر حيرة، عدت مسرعا لأنثر عليك أيتها المذكرة آخر ما تبقى لي من هذا التيه الذي يعتريني، فهو يلقيني على حافة الحمق، فكل الأحداث والشخوص تمنحني تذكرة مجانية إلى الجنون..”)
أنهى المداد الذي تحويه محبرته وأغلق الصحفي العاطل مذكرته اللعينة ذات الغلاف الجلدي بإحكام.
صعد على كرسي في لحظة يأس ضاربة، ووضع رأسه داخل حبل مشنقة مُعَدٍّ سلفا، لينهي حياته قبل أن ينهي الجنون وعيه…
ولكون الصحفي معدوم الأقارب والأصدقاء، صودرت كل ممتلكاته وسط ساحة الحي ليتلقفها النشالون والمتشردون، ثم يمر رجل عجوز يتاجر في المنحوتات والسلع القديمة لتقع عينه على المذكرة الجلدية، فيأخذها ليضعها على متحفه البلدي في انتظار مشترٍ آخر لها.

شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...