
مقدمة :
تاريخ الإنسانية حافل بمراحل و محطات تفشت فيها الأوبئة على نطاق واسع و حصدت ملايين الأرواح ، نخص بالذكر: الطاعون – الكوليرا – التيفويد – الملاريا – الجذام ,بالإضافة أخرى تتعلق بالجهاز التنفسي من قبيل <إبولا > الإنفلونزا الإسبانية (1918-1919) الإنفلونزا الأسيوية ( 1957-1958 ) – انفلونزا (هونغ كونغ ) (1968-1969) – سارس – إنفلونزا الطيور – انفلونزا الخنازير – بالإضافة للإيدز الذي أصيب به حوالي 78 مليون إنسان و الذي سبب بمقتل 39 مليون شخص . و الوباء يبقى كذلك “Epedemie” إن كان محدود في المجال أو على مستوى عدد الإصابات ليتحول إلى جائحة “Panedemie” كما هو حال كوفيد 19 أو “كورنا فيروس ” التي بدأت من أبعد نقطة في المتخيل الجمعي للمغاربة ” الصين ” لتصل إلى المغرب مرورا بمجموعة من الدول الأوربية . بسرعة لم يتنبأ بها أكبر المتشائمين ، الشيء الذي أربك المجتمع السياسي المغربي ، أي الطبقة الحاكمة ، لتقفز للسطح نقاشات كانت مفتوحة لكن بوثيرة أقل ، و من ضمنها ” الفقر و الهشاشة ” . صحيح أن المجتمع بجميع طبقاته و روافده و أطيافه تضرر بشكل أو بأخر بنسبة أو باخرى ، حيث ان هذه الجائحة التي فرضت تدخل الدولة لفرض حالة الطوارئ الصحية ، جعلت الاقتصاد يصاب بالشلل فإذا كان الإقتصاد المهيكل تضرر ، فما حال الإقتصاد غير المهيكل ، و ممتهني المهن الحرة ، و المياومين أي الاشخاص الذين يشتغلون مهنا متدنية و بناءا على طلب قد يكون و قد لا يكون ؟ مما تكون معه الفئات التي تعيش الهشاشة الأكتر تضررا , لكن للوقوف على هذا الموضوع من جميع جوانبه ، أقترح أن نقوم بتحديد المفاهيم و ذلك في مطلب أول و الذي نقسمه بدوره إلى فقرتين ، حيث نناقش في الفقرة الأولى : المفاهيم المجاورة للهشاشة ثم نناقش التهميش في الفقرة الثانية . ثم في المطلب الثاني : نناقش تأتير الأوبئة على الفئات التي تعيش الهشاشة في سياق الأوبئة ثم في فقرة ثانية : قياس مدى تأتير الأوبئة في الجرائم على المستويين الكمي و النوعي . المطلب الأول : تحديد المفاهيم فقد ارتأينا في هذا المطلب تناول الموضوع من الجانب المفاهيهي لماله من أهمية خاصة في موضوع الفقر و الهشاشة ، حيث أن هناك عدة مفاهيم مجاورة من أهمها : الفقر الذي ينظر إليه في الغالب كمعطى و الإفقار الذي تتحمل مسؤليته جهة ما ، و كذلك مفهوم خط الفقر – مفهومي الفقر المطلق و الفقر النسبي ثم مفهوم الهشاشة و مفهوم التهميش ، و الذي أيضا يحيل إلى جهة ما تتحمل مسؤوليته – مفهوم اللأهلية الإجتماعية مفهوم الإقصاء الإجتماعي ، و هو مفهوم كالتهميش و الإفقار و الحرمان الاجتماعي من حيث تحيل المسؤولية للبنى الإجتماعية أو الأنظمة السياسية و الإقتصادية السائدة ثم مفهوم التخلف كمفهوم أشمل ، حيث ان كل هذه المفاهيم تنتمي لحقل واحد ولكن تحيل على معاني مختلفة ، و لتفكيك الجانب المفاهيمي يتعين مناقشة الهشاشة في فقرة أولى ثم مناقشة المفاهيم المجاورة في فقرة ثانية .
الفقرة الأولى : المفاهيم المحاورة للهشاشة
أولا : ” الفقر ” عندما نطرح إشكالية الفقر تطرح معها مجموعة من المفاهيم أهمها الهشاشة ، ففي كتير من الأحيان يتداخلان لدرجة التماهي و يصبح الفقر يحيل على الهشاشة و العكس صحيح ، فهل فعلا لهما نفس المعنى أم أن هناك إختلاف جوهري بينهما ثم ما هي المقاييس المحددة للفقرو الهشاشة ؟ و من هو المسؤول عن فقر الافراد و الفئات الإجتماعية ، هل البنيات هي المسؤولة أم أن هناك ثقافة يحملها الضحايا تجعل منهم فقراء ؟ ثم هل يجوز أن نتحدث عن ثقافة للفقر وما علاقته بالسلوكات الإجرامية و الإنحرافية ؟ فجورج زميل عرف الفقير في إطار العلاقات الاجتماعية ، كمتلق للمساعدة من الأخرين ، أو على الأقل له الحق في تلك المساعدة ، و يظهر بوضوح من خلال تعريفه أنه يتبنى الرؤية التي تعرف الفقر بفقدان أو نقص كمية من المال . و بالرغم من أن زميل ركز على الفقير في إطار العلاقات المميزة و أنساق التفاعل ، فقد إستغل مناسبة مقاله “الفقير ” لتطوير قطاع عريض من الافكار المثيرة للإهتمام عن الفقراء و الفقر ، فقد ذكر زميل مثلا أن هناك حزمة تبادلية من الحقوق و الواجبات تعرف العلاقة بين المحتاج و المعطي ، من حق المحتاج الحصول على العون ، و هذا الحق يجعل الحصول على العون أقل ألما ، و بذلك إتخد موقفا وظيفيا ، بحيث إعتبر أن العون الذي يقدمه المجتمع للفقير يدعم نسق هذا المجتمع ، فالمجتمع بحاجة إلى مساعدة الفقراء حتى لا يصبح الفقراء أعداء نشيطين و خطرين على المجتمع ، و حتى يجعل طاقتهم أكثر إنتاجية و ليتمكن من منع إعادة إنتاجهم ، و لذلك فإن العون من أجل المجتمع و ليس من أجل الفقراء في حد ذاتهم. لكن زميل كانت له رؤية نسبية للفقر ، فالفقراء ليسوا هم الذين يوجدون قاع المجتمع ، حيث يراه في كل طبقات المجتمع ، و هو المفهوم الذي مهد للمفهوم السوسيوليوجي المتأخر عن الحرمان النسبي إذا كان هناك أناس أعضاء في الطبقات العليا لديهم أقل من رصفائهم فغالبا ما يشعرون بأنهم فقراء بالمقارنة معهم (1) . و معلوم أن لفهم نظرية زيميل حول الفقر لا يمكن فصلها عن سياقها العام و المتعلق بنظرية الصراع و التفاعلية الرمزية و نظرية التبادل و كذلك ثنائية الصراع و التناقضات دون أن ننسى ربط الفقر و غيره من الظواهر الإجتماعية بمفاهيم من قبيل : الهيمنة – الإخضاع / الخضوع … إخ . و لكن أليست ظاهرة الفقر هي ظاهرة جد معقدة . حيث يتداخل فيها ما هو إقتصادي و إجتماعي و نفسي .
———————– مأخود من مراسلة بواسطة مجموعة اليسر للتدريب و الإستشارات معنونة برواد علم الإجتماعو نظرياتهم 4 / جورج زيميل بتاريخ 09/12/2010- مجموعة اليسر للتدريب و الإستتمارات .
و في الجهة الأخرى من العالم ، أي في الولايات المتحدة الأمريكية طور الأنطربولوجي لويس أرسكار نظرية ” ثقافة الفقر ” حيث إنطلق من أن مشكلة الفقر هي مشكلة إجتماعية بالدرجة الأولى حيث تبدأ عندما لا يستطيع الفزد بالوفاء بإحتياجاته و إحتياجات أسرته الأساسية من مأكل و ملبس و سكن و عدم قدرته على إشباع هذه الاحتياجات الأساسية . مما يؤثر على شعوره بالأمان و الإرتياح و تحول دون تحقق سعادته أي أن الفقر يمثل معاناة للأفراد و المجتمعات ، و كون الإنسان عضوا في طبقة إجتماعية ” الطبقة الإجتماعية الدنيا ” فهذا يعني أن لديه ثقافة فرعية تتسم باليأس ، و هنا تمثل هذه الثقافة الفرعية ثقافة الفقر علاقة جدلية بين الفرد و المجتمع ، و بين الفرد و توقعه المستقبلي لأمور حياته و حياة أبنائه بعد . وفي هذا الإطار ميز بين الفقر و ثقافة الفقر ، فهذه الأخيرة تشير إلى الفكر الذي ينتقل من جيل لأخر و يخلق مجتمع تعيش أفراده في حالة من السلبية و التراخي . أما الفقر فيتمثل في عجز الشخص عن توفير الإحتياجات الأولية من حيث المأكل و الملبس و الرعاية الصحية و المسكن . كما انه يعتبر أن ثقافة الفقر لا تنتهي بإنتهاء الفقر ، فهذا الأخير ينتهي بالتخلص منه ، لكن الثقافة طريقة تفكير تتمثل في سلوكات أهمها ، البخل – الجشع – الإنقضاض على جميع المال – عدم مساعدة المحتاج – التدبير – التباهي بإقتناء الأشياء الباهضة الثمن – اللجوء إلى إقتناء السلاح إعتقادا منهم بأن البقاء للأقوى و الأصلح . إلا أن ” سيرج بوغام ” إعتبر أنه من الصعوبة إعطاء مفهوم للفقر ،حيث أوضح بأن هذه الكلمة تدل في الأصل على معنى الإحتياج ، كما تحيل على النقص في الموارد أو الحرمان منها ، و ان الكلمة تطورت و لها معاني كثيرة تجاورها . و معلوم ان إبن خلدون قد إنتبه بشكل مبكر إلى مسألة أساسية راجعتها المنظمات التابعة للأمم المتحدة في أدبياتها و تقاريرها – سنعود لها لاحقا – ، حينما عرف الفقراء بأنهم أولئك الذين لا تكفي أعمالهم بضروراتهم و لا تنمي مكاسبهم ، معتبرا انه يصعب ان نوجد مقياسا يمكن على ضوئه تعميم معايير الفقر حيث أن فقير فاس ليس هو فقير تلمسان ، و بالتالي فإن الفقر لا يحيل على نفس الوضعيات في ثقافات مختلفة ، لما للتمثلات من دور اساسي في تحديد الفقر و الفقراء الى جانب عناصر أخرى بالتاكيد. فالمنظمات الدولية المتخصصة تعرف الفقر على انه الحالة الإقتصادية التي يفقد فيها الفرد الدخل الكافي للحصول على المستويات الدنيا من الرعاية الصحية و الغداء و الملبس و التعليم ، و كل ما يعد من الإحتياجات الضرورية لتأمين مستوى لائق للحياة ، إلا أن هذا المفهوم لم يصعد امام تباين وضعيات الفقر تبعا لمجتمعات متباينة إقتصاديا و ثقافيا ، حيث شددت قمة كوبنهاغن لعام 2006 على أهمية حصول الفرد على الحد الأدنى من الحياة الكريمة و تامين بيئة سليمة ، و فرص المشاركة الديمقراطية في إتخاد القرارات في جوانب الحياة المدنية ، بل إتسع هذا المفهوم ليشمل عدة مؤشرات بدؤها حصول الإنسان يوميا على كمية من السعرات الحرارية و إنتهاؤها بالكهرباء و الماء الصاح للشرب و المجاري الصحية و إنعدام التلوث مرورا بالرعاية الصحية و التعليم و غيرها . و أن المندوبية السامية للتخطيط إنتقدت البنك الدولي الذي كان يضع معايير نقدية صرفة لتحديد خريطة الفقر في المغرب ، و ذلك منذ سنة 2004 ، الشيء الذي جعل المندوبية منذ سنة 2008 تعتمد مقاربة متعددة الأبعاد لتحليل ظواهر الفقر و الهشاشة و عدم المساواة الإجتماعية من اجل تحديد العوامل و اسباب إنتاج هذه الظواهر و إعادة إنتاجها إجتماعيا ، معتمدة في ذلك أبحاث وطنية على المستوى النقدي (2007) و على مستوى قياس الجسم البشري (2011) – إستهلاك و نفقات الأسر (2014) ، مع إعتماد مؤشرات متعددة الأبعاد – كما أشرنا إلى ذلك – و فقا لمعهد الصحة العامة لأوركان – OPHI1 – و التمييز تبعا لذلك بين المجال الحضري و المجال القروي و بين مناطق المغرب مع توسيع وعاء المؤشرات “UNE LARGE FESCEAU ” منها : القدرة على الولوج للخدمات الإجتماعية – الماء و الكهرباء – المجاري الصحية – معطيات السكن – الصحة – التعليم – وسائل التواصل – و هي أهم المؤشرات المعتمدة في خطة 2030 للتنمية المستدامة (1) . حيث وضعت مقارنة للفقر و الهشاشة بين سنتي 2001 و 2014 حسب جهات المملكة مع الأخد بالإعتبار كل ما سقناه أعلاه ، و خلصت إلى انه في سنة 2001 شكل الفقر 15.3 % و الهشاشة VULNERABILITE 38.1 % لتتقلص هذه النسب سنة 2014 فسجل مؤشر الفقر 4.8 % و الهشاشة 12.5 % . إلا أهناك من ميز بين الفقر المطلق و الفقر النسبي ، حيث يعتقدون أن الشخص الذي يستطيع توفير هذه الحاجات لكن بشكل غير كاف أو حين يعجز عن توفيرها مجتمعة أو البعض منها يكون تحت رحمة الفقر النسبي ، لكن هناك عدة مفاهيم مجاورة يهمنا منها في هذا العرض مفهوم الهشاشة .
ثانيا : الهشاشة vulnerqbilite : إن الهشاشة لا تتطابق مع الفقر بالضرورة ، حيث أن حالة الفقر هي هشاشة و لكن الهشاشة ليست فقرا على الإطلاق ، إذ ان الأمر يختلف من حيث معايير القياس , فالهشاشة هي مستوى ما فبل الفقر ، اد ان هنالك الكثير من المقاربات ذات المنحى الإقتصادية المفرطة التي تغالي في الربط بين المادي و ما بين ثقافة الفقر . الخوض في مغامرة تعريف الفقر كانت ضرورة منهجية املاها الترابط بين المفهومين، ، و أنه يؤخد على أدبيات العمل السياسي أنها لا تميز بين المفهومين ، حيث أنه يمكن إعتبار الهشاشة هي الخط الأمامي للحرب ضد الفقر فهناك دول بأكملها تعيش حالة الهشاشة كما رصد أحد التقارير بانه على الأقل 43 دولة في العالم تعيش حالة هشاشة و هناك أفراد و أسر داخل الدول التي تعيش الهشاشة و الدول التي تعرف وفرة إقتصادية تعيش الهشاشة .
لكن هناك من التقارير و الأبحاث من يستعمل مفهوم الفقر النسبي ألا يقترب مفهوم الفقر النسبي من الهشاشة ، حيث أن المفهومين معا يحيلان على نقص في الموارد أو أن فئات من المجتمع تعيش حالة تهديد نقص أو زوال هذه الموارد ، كما تشير بالنسبة للإقتصاديين إلى عدم القدرة على الإدخار ، أي أن شبح الفقر يلاحقهم و يستطيع أن ينقض عليهم في أية لحظة .إذ تشير الإحصائيات أن 33.32 % من سكان المنطقة العربية معرضون للسقوط في الفقر أي أنهم يعيشون حالة هشاشة ، حيث أن جميع التصورات التقليدية في مجال التنمية كانت تعتمد في المقام الأول على مؤشرات نمو الإقتصاد الكلي القابلة للقياس الكمي ، و ذلك لقياس التقدم في بلد ما ، و لكن لوحظ في الأونة الأخيرة أن عددا لا يستهان به من الإقتصاديين قد بدأ بتحدي الربط بين النمو الإقتصادي و الرفاهية ,معتمدين في ذلك على دلائل ملموسة تفيد أن النمو لا يقلص دائما الفقر و أن زيادة الثروة لا تفيد بالضرورة تحسن مستويات المعيشة من هؤلاء الإقتصاديين امارتيا سين ، و وفقا لمنظور القدرات الذي وضعه ، يمكن تعريف الفقر على أنه عدم القدرة على التمتع بحقوق أساسية و حريات جوهرية ، و تبعا لهذا التعريف ، فإن التنمية لا تتحقق من خلال زيادة الدخل و تملك الحصص في الأصول فحسب ، بل أيضا من خلال قدرات الناس المتزايدة في أن يتمتعوا بحياة لهم فيها مسوغات ذات معنى ، كما يرى سين ان الحرمان من القدرة يمثل مقياسا للفقر أكثر إكتمالا من مقياس الدخل و يتمم الفقر المتعدد الأبعاد مقاييس التنمية النقدية ، حيث يقيس الحرمان غير النقدي في مختلف نواحيه ، مما يرسم صورة أدق لحال الفقراء و على سبيل المثال ، إختار الدليل العالمي للفقر المتعدد الأبعاد الذي وضعته مبادرة أكسفورد للفقر و التنمية البشرية و برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ثلاثة أبعاد لقياس الفقر هي : التعليم و الصحة و مستوى المعيشة . كما صمم صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) منهجية تحليل أوجه الحرمان المتداخلة المتعددة المعد للمقارنات الدولية (1)… و من الجدير بالذكر أنه لا يوجد تعارض بين منهجية قياس الفقر النقدي و منهجية قياس الفقر المتعدد الأبعاد ، و لا يحل أي منهما محل الأخر .
——————————————————————
(1) التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد المنجز بشراكة بين الجامعة العربية و الإسكوا و مبادرة أكسفورة للفقر و التنمية البشرية “OPHI” و هو التقرير الذي إستعمل مفاهيم من قبيل الفقر – الفقر المدقع – الحرمان – الفقر المتعدد لاأبعاد – الهشاشة – الفقر النقدي – فداحة الفقر و هي مفاهيم يختلف بعضها عن بعض .
و بعيدا عن المقاربات الفكرية التي قاربت الفقر و منها مقاربة مالتوس ، ثم المقاربة الماركسية ، و الإتجاه البنيوي الوظيفي و نظرية الحلقة المفرغة و نظرية التفاعلية الرمزية. و كذلك نظريات إلقاء اللوم أو إرجاع الفقر و الهشاشة و معهما التخلف كمفهوم أشمل لسياقات تاريخية من بينها الإستعمار و العلاقات اللامتكافئة القائمة على الإفقار و الإستنزاف التي نهجتها دول المركز حيال الدول الديلية و نظريات ثقافة الفقر – لويس بوسكار – , فإن التابث ان الفئات الأكثر تضررا هي فئات هشة داخل الفئات الهشة و نخص بالذكر فئة الأطفال – النساء – الأمهات المهاجرين –الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة – فئة المساجين .
و الثابث ايظا ان الهشاشة من بين الأسباب التي اشكال انحرافية مرتبطة بها ,أهمها الإتجار بالبشر – إنحراف المراهقين- جرائم الأحداث – التسول – الإدمان على المخدرات و الكحول – العنف بأشكاله و منه العنف الأسري – العنف ضد النساء – العنف ضد الأطفال – العنف ضد الأصول . …الخ و حيث أن الفئات التي تعيش هشاشة و بالنظر للتعريف الذي أعطاه لها الإقتصاديون و السوسيولوجيون ، بأنها تلك الفئات التي تعيش مرحلة ما قبل الفقر و انها تشير إلى وضعية إضطراب يمكن أن يفضي إلى الفقر و هناك من ربطها بعدم القدرة على الحصول على شغل قار يدر مداخيل قارة تلبي الإحتياجات الأساسية و يمكن من الإدخار . و إستتنادا على هذا التعريف و لان الفقر و الهشاشة يتم مقاربتهما أيضا على مستوى الأسر و كذلك على مستوى الفئات ، و خصوصا فئة الأطفال أقل من 18 سنة كما أن التقارير الدولية على اهتمت بفئة الأطفال بهذه الفئة فإننا في المطلب الثاني سنناقش تأثير الأوبئة – الجوائح على الفئات الهشة ، و هو الموضوع الذي سنقاربه في فقرتين ، حيث سنخصص الفقرة الأولى لتـأثير الأوبئة على الفئات الهشة فيما سنناقش في الفقرة الثانية سؤال يتعلق بمدى مساهمة الجائحة في إزدياد أو نقصان جرائم بعينها أو في تشكل جرائم جديدة مرتبطة بالجائحة . المطلب الثاني : تأثير الأوبئة على الفئات الهشة . عرفت البشرية عدة موجات من الأوبئة إختلفت أسبابها و أشكالها و أحجامها ، لكن التاريخ يحكي على أهمها و أكثرها خطورة نذكر منها : التيفويد – الطاعون –الكوليرا … إلخ ، و القاسم المشترك بينها جميعا أنها أودت بحياة المئات الالاف من البشر و المغرب لم يكن بمنأى عن هذه الأوبئة التي تخالفت في كثير من الأحيان مع موجات الجفاف فخلفت ليس الفقر بل المجاعة ، و لذاك سنناقش في الفقرة الأولى من هذا العرض تأثير الأوبئة على قطاع واسع من الفئات الهشة ، و في الفقرة الثانية كيف يمكن أن تؤثر الأوبئة في الجرائم من الناحية الكمية و الكيفية في أوساط الفئات الهشة ؟ الفقرة الأولى : تأتير الأوبئة على الفئات الهشة سنتطرق لهذا الشق من الموضوع على عدة مستويات بالنظر إلى أن الهشاشة و إن كانت تعني مرحلة قبل الفقر ، و أنها تشير إلى وضعية اضطراب يمكن أن يفضي إلى الفقر ، و التي قد تتعلق بتهميش أو حرمان و هو ما سنناقشه في المستوى الأول ، فإننا سنناقش في المستوى الثاني بعض الأصناف داخل الفئات الهشة التي تكون أكثر تضررا من الأوبئة .
المستوى الأول : تأثير الأوبئة على الفئات الهشة بشكل عام إستنادا للتقرير الأممي الذي وضع ” مؤشر الفقر متعدد الأبعاد لعام 2019 ” في إطاربرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي خلص أن 31 دولة من بين 101 بدخل قومي منخفض و أن 1.3 مليار شخص يعانون الفقر المتعدد الأبعاد (1) ، دون الحديث عن الأشخاص الذي هم فوق عتبة الفقر و لكن مهددون به, و هم موضوع الدراسة الحالية ، و هو رقم صادم ، و في المغرب فإن معدل الفقر و معه معدل الهشاشة انخفظا ما بين سنتي 2001 و 2014 حسب المندوبية السامية للتخطيط التي سجلت سنة 2014 نسبة 4.8 % من المغاربة يعيشون الفقر و 13.5 % يعيشون الهشاشة ، أي ثمن سكان المغرب يعيشون الهشاشة (قرابة 5 مليون شخص ). وإن ختلفنا مع هذه الإحصائيات ، و المؤشرات التي تم إعتمادها و كذلك المقاييس فإن هذا الرقم هو جد مرتفع أثناء الظروف العادية ، فماذا عن ظروف الأوبئة ؟ واجهت المجتمعات الإنسانية بعض الأوبئة ، أودت بحياة الملايين من البشر و من بقوا على قيد الحياة و صمت ذاكرتهم الجمعية ، و أصبحت تلك السنوات علامة فارقة في تاريخ المجتمعات والبشرية ، حيث بقيت أثارها النفسية و الاجتماعية لسنوات و عقود ، و بذلك من المفترض أن هذه التجارب تحولت إلى خبرات ، إلا انه ثبت أن كل جيل من الأوبئة يخلف نفس الإرتباك و يخلف في الغالب نفس أنماط الإستجابات و هو الجزء الذي يتطرق له مفهوم ” سيكولوجيا الأوبئة ” حيث يعنى بدراسة سلوك المجتمعات مع تفشي الأوبئة ، سواء على مستوى سؤال العقلانية ، بما انه الإنسان العقلاني يتحول إلى لا عقلاني حيال الخوف من المجهول إرتباطا بصعود أو هبوط منسوب التدين و إرتباك القيم – إعادة إنتاج التراث الشعبي –نظرية المؤامرة – الإنجراف نحو الشائعات ثم تصاعد الشعور الجمعي و الإنتماء بمقابل خروج نظرية مالتوس من غرفة الإنعاش و إعادة الروح لها ، حيث إنتعشت بشكل غير مسبوق . فإذا كان المجتمع بجميع مكوناته و فئاته ، يعيش كل هذا الضغط و التخبط أثناء الأزمات ، فكيف تتأثر الفئات الهشة تحديدا كفئة لها خصوصيات معينة بالأوبئة ؟
——————————————————————-
(1) تقرير مؤشر الفقر العالمي الجديد ” تفاوتات شاسعة بين البلدان و داخلها منشور بموقع الأمم المتحدة بتاريخ 11 يوليوز 2019 .
بالرجوع لموقع المندوبية السامية للتخطيط وجدنا فقط إعلان بالبدء في عملية جمع المعلومات و القيام بالتحريات و إنجاز الدراسات الشيء نفسه في مواقع تابعة للأمم المتحدة،إلا أنه توجد عدة دراسات في الفقر و الهشاشة بشكل عام و بالتأكيد تطرقت للموضوع من قريب أو بعيد ، و ذلك بالنظر إلى هذه الظواهر و كيف أن المدن تتأثر بنفس القدر الدي تتاثر به القرى بفعل إرتباط الأولى بإقتصاد صناعي و خدماتي معطوب و الثاني بقطاع فلاحي منتعش و مطلوب في بعض الجهات و نقيضه تماما في جهات أخرى .
و أنه بداخل المدن يمكن التمييز بين الأحياء الراقية و المتوسطة و الأحياء الهامشية و أحزمة المدن التي هي أحزمة للفقر و الحرمان و الهشاشة ، و بالتالي تعيش مشكلات إجتماعية .
و بما أنه و كما قال روبرت إزرا بارك في مقاله “المدينة و المختبر ” إن هذه التحقيقات تحمل بصمة التاريخ المحلي و المعاصر : إنها تركز على خصوصيات الوضعيات المبحوثة ، لكنها في نفس الوقت دراسة حالة .إن الشروط الخاصة بمدينة معينة توصف بشكل يجعلها قابلة للمقارنة مع الشروط التي يمكن مصادفتها في مدن أخرى ، إنها لا تنتج عموميات كبرى ذات قيمة كونية ، و لكنها تعطي كما من المواد التي تثير الأسئلة ، و توحي بفرضيات قابلة لأن تكون موضوع تحليل إحصائي ، و نص من طبيعة كمية ” (1) .
2 الأشخاص ذو الإعاقة : هذه الفئة هي شديدة التعرض للفقر,الشيء الدي سيترك أثرا سلبيا على ما لا يقل عن 15 إلى 20 في المائة من مجموع سكان البلدان العربية ، حسب التقرير العربي دائما . و أن إحتمالات سقوطهم في دائرة الفقر بعد إحتياج الأوبئة تتضاعف ، حيث أن هناك رابط بين الإعاقة و الفقر و هي علاقة متبادلة ، حيث يشتد الفقر و أثاره السلبية على هذه الفئات ، و تزداد حالات الإعاقة في المجتمعات الفقيرة . ففي المجتمعات الفقيرة يضعف مستوى التكفل بالأشخاص ذوي الإعاقة في الحالات العادية ، و لا تقوم هذه البلدان أي مجهود في سبيل دمجهم في الدورة الاقتصادية و كدا مساعدتها في الحصول على عمل ، لأن انجع وسيلة للخروج من براتين الفقر و عدم السقوط فيه هو الحصول على عمل قار يلبي الاحتياجات و بالثالي فانهم يعيشون على الهامش و في ظروف صعبة ، و إذا كانت هذه الفئة في المجتمعات بهذا السوء ، فكيف يمكن لهم أن يعيشوا في مجتمع فقير و عمقت من جراحه أزمة الوباء , فحتما أنهم إذا كانوا يعيشون الهشاشة فسيسقطون في الفقر و بأسرع وقت حيث ليس لديهم من الأليات و الأدوات لمقاومة الوضع . 3 – فئة النساء : في الدول الثالثية تعيش النساء عموما حرمان مركبا و إضطهادا معيشيا اجتماعيا اقتصاديا و ثقافيا ، حيث تضطرهده الشريحة في بعض المجتمعات القيام بكل شيء من العمل المنزلي إلى جلب لقمة العيش إلى تربية الأطفال و مع ذلك تعيش القهر الإجتماعي بسبب الافقارو التهميش و الهشاشة و بسبب الثقافات المترسخة و العقلية الذكورية المهيمنة ، و الأمر يزيد سوءا في المجتمعات التي تعتبر البنت شيء من الذل و العار, و أن هذه الفئة و خصوصا منهن الأمهات و الحوامل و المرضعات ، و ربات الأسر سيعانين الأمرين و تتعمق ماسيهم ، و أنه يسهل سقوطهن في دائرة الفقر أثناء أية هزة إجتماعية ، أما و ان الأمر يتعلق بزلزال وباء فتاك ، فالأمر يبدوا تراجيديا . 4 – فئة السجناء : بحكم أنهم فاقدي الحرية ، فهم فاقدي الإرادة و بالتالي القدرة liberte = vouloir =pouvoir فإنهم يعيشون تحت رحمة الإجراءات الادارية ، فرغم أن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان تضمنت مجموعة من المقتضيات الحمائية لهذه الشريحة نخص بالذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المواد : 5-9-10-11 و العهدين الدوليين و البرتوكولين الإختيارين الملحقين بهما ثم إثفاقية مناهضة التعذيب و غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية و المهنية و مرورا بمجموعة من الاتفاقيات و المعاهدات إلى القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء – مجموعة المبادىء المتعلقة بحماية جميع الأشخاص اللذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الإحتجاز أو السجن ثم المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء ، فإن أغلب دول العالم الثالث فإنها تكدس عدد هائل من السجناء في غرفة واحدة في ظروف معيشية صعبة تنعدم فيها الشروط الصحية من تهوية و مساحة سطحية – و تدفئة و دون احترام للحجم المكعب للهواء
في مخالفة واضحة للصكوك الدولية خاصة القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء حيث ينص الفصل 9 على ما يلي : 1- حيثما وجدت زنزانات فردية للنوم ، لا يجوز أن يوضع في الواحدة منها أكثر من سجين واحد ليلا . 2 – و حيثما تستخدم المهاجع يجب أن يشغلها مسجونون يعتنى بإختيارهم من حيث قدرتهم على التعاشر في هذه الظروف …. 10 – توفير لجميع الغرف المعدة لإستخدام المسجونين و لا سيما حجرات النوم ليلا بجميع المتطلبات الصحية(1) و معلوم أن الأوبئة – كوفيد 19 نمودجا – يتطلب إجراءات و إحتياطات جد خاصة ,نخص بالدكر التباعد لمسافة معينة وضع وسائل حاجزية ، تغدية متنوعة – تهوية كافية ….الخ
، فهل يتم توفير كل هده الشروط داخل السجون , و في ظل معاناتهم في الطروف العادية الا تعمق معاناتهم في ظل الاوبئة، ألا يتم تعريض صحتهم و سلامتهم للخطر في ظل ظروف لا تقترب مما ذكر أعلاه و لا تحترم ادميتهم في الظروف العادية في ظل انعدام الحرية و الإرادة و القدرة ؟
الفقرة الثانية : هل تؤثر الأوبئة في الجرائم من الناحيتين الكمية و الكيفية .
أولا : من الناحية الكيفية بفعل الوباء ، و بعد تبوث انتشاره بسرعة فائقة سنت الدول قوانين جرمت سلوكات و أفعال كانت بالأمس ليست مباحة فقط , بل من صميم حقوق الانسان_الماطن و حرياته ، و يتعلق الأمر بحرية التجول الذي قيدته الدولة بمقتضى قانون حالة الطوارئ الصحية ، و أصبح التجوال و الخروج من المنازل بدون عذر مشروع منصوص عليه في القانون جريمة .
و بالمغرب و إن تبث التقييد بهذا القانون إلى حد كبير في الأحياء الراقبة و المتوسطة إلا أنه وجد مقاومة بين الفئات الهشة و الفقيرة على الخصوص لأسباب معظمها إقتصادية ، تتعلق بالحاجة و من اجل الكسب ، حيث سجلت السلطات 32725 موقوف إلى حدود صباح يوم الجمعة 24 أبريل 2020 ، كما سجلت المديرية العامة للأمن الوطني 2211 موقوف فقط خلال 24 ساعة الأخيرة (2) (3). و نظرا للإقبال المتزايد على الكمامات الواقية و مواد التعقيم فقد ظهر مجموعة من الجرائم الاقتصادية تتعلق بهدا النوع من المواد _كمامات مزيفة ,مواد تعقيم مهربة…_ و لو أنهدا الشق لا يتعلق بعرضنا الا اننا معنيون به، حيث تم توقيف 96 شخص و حجز 213511 كمامة مزيفة .
و انه تم تسجيل نشاط منقطع النظير للجرائم الإلكترونية ، بفعل لجوء الإدارات العمومية و الشركات و العائلات و الأفراد للوسائل الإلكترونية ، و وسائل التواصل الإجتماعي بمختلف أشكالها .
من الناحية الكمية : حسب الإحصائيات الرسمية للمديرية العامة للأمن الوطني ، فإنه باستثناء الجرائم المرتبطة بخرق حالة الطوارئ الصحية ، فإنه يلاحظ بشكل واضح تراجع المظهر العام للجريمة خلال شهر مارس 2020 مقارنة مع نفس الشهر من السنة المنصرمة و ذلك بمعدل 20 – % ، بما فيها الجرائم المالية و الإقتصادية -23 % ، السرقات بالفشل و الخطف 24 – % ، الإعتداءات الجنسية 41 -% ، السرقات الموصوفة – 28 % ، السرقات تحت التهديد بالسلاح الأبيض 52 – % ، الضرب و الجرح المفضي للموت 250- % ، جرائم القتل 367 – % ، محاولات القتل العمد 175- % . و أنه يمكن إرجاع أسباب هذا التراجع بالأساس لحالة الطوارئ الصحية و حضر التجوال و المراقبة المشددة لعناصر الأمن و السلطات المحلية ، حيث أن المنحرفين مقيدون بمقتضيات الحجر الصحي ، الذي قيد حركتهم و جعل من الصعوبة بمكان تواجدهم في الأماكن العمومية من جهة ، و لعدم تواجد مشاريع الضحايا ، أو الضحايا المفترضين في الأماكن العمومية ، و خاصة في جرائم السرقة و الاعتداءات الجنسية و الضرب و الجرح و بالثالي اصبحنا نتحدث على ما يشبه الجريمة غير الممكنة او المستحيلة.
و مع دلك تبقى هذه الأرقام تحتاج لتفصيل أكثر ، بحيث ان الإجراءات المتخدة من طرف الدولة و خصوصا منع الخروج و منع التلقي المباشر للشكايات و تعويضها بالطرق الاكترونية ,مع الاخد بعين الاعتبار نسب الامية المرتفعة و عاملي الفقر و الهشاشة و بالثالي صعوبة الولوج للخدمات و استحالتها في بعض الأحيان ,و عم توفر البنية التحتية الكافية لدى معظم الإدارات , فانه يجب التعامل مع هده الأرقام بالحدر الكافي .
و من جانب اخر فان التقري لم يفصل كم تشكل نسبة العنف تمنزلي-الأسري من بين جرائم العنف الأخرى ، لكي يتسنى لنا القيام بقراءة صحيحة ، خصوصا أن مع الحجر الصحي يفترض ان العائلات بدور الصفيح تتكدس في بضعة أمتار مما سيضاعف حتما من الإحتكاك الفيزيقي على غير العادة ، و يفترض ايظا ان نسبة لا بأس بها من ساكنة هذه الأحياء تكون مدمنة على المخدرات او الكحول , مما سيسهم لا محالة في إرتكاب جرائم من هذا النوع .
و في ظل المتغير الرئيسي الذي هو الفقر و الهشاشة , لم تفصل هده الأرقام بشأن الجرائم الجنسية،بحيث لم تفصل كم هي نسبة الإعتداءات الجنسية بين المحارم و زنا المحارم بالنظر لتكدس الأشخاص و ضيق المجال المكاني ، و عدم وجود سبل و وسائل بديلة و هل يتم التبليغ بهده الجرائم في ظل الصعوبات المفصلة أعلاه و يجب الحديث عن رقم اسود مهول؟
ومعلوم أن ثقافة الفقر عند ” لويس أوسكار ” تتسم بغياب مرحلة الطفولة – الدخول المبكر في تجارب الجنس – هجر الأزواج للزوجات و الأولاد – وجود علاقات متناحرة حول الأم – معرفة أو سيادة المعرفة بأقارب الأم أكثر من أقارب الأب ، و اهم ما يميز هذه الثقافة على المستوى الفردي ، التهميش و الإقصاء و اليأس و التفاهة و الدونية و العدوانية كما يتميز الفرد في هذه الثقافة بعدم قدرته على تأجيل رغباته ، و الإهتمام باللحظة الأنية ، حيث يغيب أي تفكير في المستقبل أو التخطيط له إظافة إلى سيادة القبلية و الإستكافة و محدودية التفكير ، و انحصاره في المحلي . الإيجابي في هذه الثقافة هي قدرة أفرادها عن تحمل الأمراض و الصدمات النفسية ، و لكن سيكون هذا حكم قيمة بالنظر لعدد الإنتحارات التي تمت معاينتها بسبب الوباء الحالي ، مما يؤشر على تفشي الأمراض النفسية و اليأس. المسألة التي يجب أن لا نبخسها ، بل ربما هي المحدد لمستقبل مجتمع ما هي مسالة العون الإجتماعي من جهة و الخدمة الإجتماعية من جهة ثانية ، خلافا لما ذهب إليه مالتوس من أنه للحد من الفقر ينبغي عدم مساعدة الفقراء لأنهم المسؤولون عن وضعيتهم الإجتماعية بسبب نسب الخصوبة المفرطة و أن أي مساعدة ستجعلهم يضاعفون هذا السلوك و أيضا للحد من الإشكالية في غياب الحديث عن الأسباب و المصادر الحقيقية للفقر ، في إشارة للإتجاه الماركسي و كيف أن الطبقات المحرومة أو المسحوقة حسب الادبيات الملركسية و بمعنى اخر التي لا تملك وسائل الإنتاج يتم استغلالها من داخل منظومة رأسمالية تنتصر للطبقات المالكة لوسائل الإنتاج ، و أن القيمة المضافة و التي هي نتاج استغلال للبروليتاريا تساهم في إغناء الأغنياء و إفقار الفقراء . و أن القول بأن وجود الفقراء هو امر ضروري وشيء طبيعي و عادي ، لان لهم وظيفة يؤدونها داخل المجتمع فما هو إلا إنتصار للرأسمالية ضدا على الفكر الماركسي الي ساد في فترة معينة.
و أن ما اتجهت إليه الدولة مؤخرا من مساعدة للفقراء و تقديم يد العون لهم , و الإجراءات المالية المواكبة للحجر الصحي ، و كيف ساهمت في بقاء الفقراء و الفئات التي تعيش الهشاشة في منازلهم – نسبيا – خير دليل على فعالية تقديم العون للفئات الهشة ، بل و مواكبتها إجتماعيا و نفسيا .
صحيح أن الإقتصار على العون و المساعدة قد يساهمان في نوع من الإتكالية ، إن لم يكن مصاحبا بإجراءات و إصلاحات جوهرية و بنيوية مدخلها إصلاح التعليم ، أي منح تعليم جيد للناشئة كما ذهب إلى ذلك التقرير العربي المشار إليه أعلاه . ثم المسألة الثانية تتعلق بالخدمة الإجتماعية : حيث أنه تشير الدراسات التي أجريت على المجتمعات المحلية إلى حقيقتين أساسيتين : الأولى : شهدت المجتمعات المحلية خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين تغيرات إجتماعية سريعة و مستمرة ، و ترتب على هذه التغيرات نتائج متعددة منها : حدوث تعديلات في كل من الخصائص السكانية لهذه المجتمعات ، و النسق الإيكولوجي ، و البناء الإقتصادي ، و الأنماط التنظيمية من جهة. ا و من جهة ثانية فان معظم المجتمعات المحلية الحديثة عانت من الكثير من المشكلات الإجتماعية و الإقتصادية و السكانية و الإيكولوجية ، و منها مشكلة الفساد الإدارى – الفقر – الهجرة … إلخ و المشكلة الإجتماعية تعتبر إنحرافا عن المستويات الإجتماعية المتفق عليها ، علما بأن هذه الأخيرة تختلف بإختلاف الزمان و المكان (1) . و حيث أن الأشخاص الذين يشتغلون في الخدمة الإجتماعية ، يمكن أن يكون لهم دور في هذه الفترة أكثر من أية مرحلة أخرى من اجل المساعدة على معالجة المشكلات الإجتماعية عبر مجموعة من الأدوات و الوسائل تدخل في إطار صميم عملهم . و عموما ، فإن المتخصصين خلصوا إلى أنه لمحاربة الفقر و الهشاشة – نخص بالذكر التقريرين الأممي و العربي – ، يتعين منح تعليم جيد للناشئة و القضاء على الفساد الإداري ، و نحن نضيف تقديم العون و المساعدة للأسر المعوزة و كذلك توجيه أكبر قدر ممكن من الإخصائيين اللذين سيقدمون خدمة إجتماعية بمعايير علمية في مساعدة معالجة المشكلات الإجتماعية و كذلك تتبع و مواكبة هذه الفئات .
المراجع المعتمدة في البحث
– مراسلة اليسر للتدريب و الإستشارات معنونة ب ” رواد علم الإجتماع و نظرياتهم الجزء 4 – جورج زيميل بتاريخ 2010.12.09 – مجموعة اليسر للتدريب و الاستشارات .
– الموقع الإلكتروني للمندوبية السامية للتخطيط .
– التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد المنجز بشراكة بين الجامعى العربية و الإسكوا و مبادرة أكسفورد للفقر و التنمية البشرية “OPHI”.
– روبرت إزرا بارك – المدينة كمختبر إجتماعي – مترجم كتاب ” مدرسة شيكاكو ” ولادة البيئة الحضرية باريس 1979 ص 129 .
– حقوق الإنسان و السجون – مكتبة الأمم المتحدة – مفوضية الأمم المتحدة بحقوق الإنسان – سلسلة التدريب المهني العدد رقم 11 نيويورك و جنيف 2004 .
– خبر صادر من المديرية العامة للامن الوطني صباح يوم الجمعة 24 أبريل 2020 عبر الرابط https/twiter.com.DGSN-MAROC.
– الدكتور محمد عبد الرحمان فادي – الخدمة الإجتماعية و مكافحة الجريمة و الإنحراف – مؤسسة شباب الجامعة – الإسكندرية – مصر ص : 196 .


