أثار الفنان المغربي حسن الفد موجة واسعة من الجدل بعد إعادة توظيفه لمفهوم “التهركاويت”، خلال مشاركته في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط دورة ماي 2026، حيث اعتبر كثيرون أن المصطلح يحمل نزعة استعلائية تجاه فئات اجتماعية تعاني أصلا من التهميش والهشاشة، فيما ذهب آخرون إلى اعتباره نوعا من التنميط الطبقي الذي يختزل فئات واسعة من المغاربة في صورة كاريكاتورية.


لكن القراءة المتأنية بعيدا عن الانفعال، تكشف أننا لسنا أمام إهانة اجتماعية كما روج لذلك، بل أمام محاولة فنية وثقافية لتسمية ظاهرة سلوكية موجودة داخل المجتمع المغربي، بل وربما داخل الكثير من المجتمعات التي تعيش انتقالا مشوها أو على الأقل ملتبسا نحو الحداثة.
حسن الفد لم يوظف هذا البراديغم paradigme لأول مرة في مداخلته بالمعرض الدولي للكتاب، بل سبق له أن استعمله في لقاءات إعلامية سابقة، ما يؤكد أننا لسنا أمام زلة لسان أو بحث ظرفي عن الإثارة، بل أمام مفهوم حاضر داخل قاموسه النقدي والفني. كما أن مداخلته في المعرض الدولي للكتاب جاءت في سياق نقاش فكري حول المجتمع والفن والذوق المشترك، لا في سياق التنمر أو التحقير.
بالتالي لا يمكن اقتناص مصطاح/مفهوم “التهركاويت” باعتبارها توصيفا لفئات شعبية/ مهمشة، بينما ما يبدو من سياق استعمال حسن الفد للمفهوم ،هو أنه لم يكن يتحدث عن الفقر أو الهامش أو وضع طبقي أو تعليمي…، بل عن نمط سلوكي يرتكز على تصنيف اجتماعي بعينه. وقد نبني على الواقع لتأكيد هذا المعطى، فقد نجد أشخاصا متعلمين ومن طبقات اجتماعية ميسورة أو غنية، يتمظهرون بمظاهر العصرنة، من لباس، واتقان للغات أجنبية، واعتماد لوسائل الرقمنة وتكنلوجية الحديثة لكنهم في سلوكهم اليومي لا يحترمون التعاقدات المدنية أي لا يحترمون القانون، يحتقرون النظام العام، يمارسون التحايل، يتعاملون مع المجال المشترك بمنطق الأنانية والفوضى، ويرون القيم الكونية من منظور المنفعة الفردية الضيقة، وبالتالي تصير حقيقتهم هي ما ينفع بشكل برغماتي ضيق.
من وجهة النظر هذه، “التهركاويت” ليست وضعا اجتماعيا، بل فشل في تحويل العيش داخل العصر إلى العيش بقيم الحداثة. وإلا كانت مجموعة من الدول القريبة منا في التاريخ الثقافي والتي تعيش فائضا في مظاهر العصرنة وعالما مبهرا من التيكنولوجيا والبنيات التحتية ورخاء اقتصاديا حد التخمة، قادرة على تغيير وعي شعوبها الغارقة في الفكر التقليداني والمفارقة للقيم الحداثية التي ترتكز على قدسية الانسان واهمها حريته في التفكير والتعبير والاختلاف…
وبناء عليه، فالحجة الاجتماعية التي تدعي أن السلوك “الهركاوي” ليس مسؤولية الأفراد، بل نتيجة سياسات عمومية فاشلة وتنشئة اجتماعية مختلة، وفقر مادي ورمزي، هو دفع مهتز وقياس فاسد في الظن. وإن قبلنا بهذا التفسير للسلوك، فإنه من الصعب القبول بتبريره، فالتفسير شيء والتبرير مرافعة، وكل مرافعة تتوخى الانتصار ليست دائما نجاحا معقولا ومستحقا. فإذا اختزلنا كل السلوكات المنحرفة في البنية الاجتماعية، فلن يعود لأي مسؤولية أخلاقية معنى. سنصبح أمام مجتمع لا يوجد فيه فاعلون، بل فقط ضحايا. ولن يصير لمعنى الواجب في ذاته أي قيمة نبني عليها الاخلاق، لا بمعناها العقدي بل بمعناها العام والكوني والشامل.
لنتساءل اسنكاريا بناء على الواقع، كم من أشخاص خرجوا من نفس شروط التهميش، ومع ذلك حافظوا على الذوق، الاحترام، الحس المدني، والنزاهة الأخلاقية؟ فالمجتمع يؤثر، لكنه لا يلغي الاختيار الفردي، ولا يمنح صكا لاعفاء الناس من مسؤولياتهم باسم التفسير الاجتماعي لأوضاع ما، فالانسان حر ومسؤول عن حريته، ومشروعه واختياراته على حسب تصور الفلسفة الوجودية السارتية.
من بين الانتقادات التي وجهت للفنان حسن الفد حول مصطلح “التهركاويت” وهي انتقاده في حصر هذا التوصيف على فئة من الشعب دون تعميمها في وصف سلوكات بعض النخب السياسية والاقتصادية التي تخرق القانون، تحتكر السلطة، وتتصرف بمنطق الإفلات من المحاسبة. نعم قد يكون هذا النقد سليما خارج السياق الذي أراده لها الفد، فالتوصيف ليس مرتبطا بطبقة معينة، بل هي بنية ذهنية وسلوكية عابرة للطبقات.
والمفارقة أن بعض من هاجموا الفد لم يكتفوا بنقد المفهوم، بل تجاوزوا ذلك ليستعملوا أعماله الفنية نفسها ضده، معتبرين أن شخصيات مثل كبور أو لحبيب الشعيبية، أو العوالم التي اشتغل عليها مجرد إنتاج شعبوي يستهلك الصورة الكاريكاتورية للمغاربة.، ولعمري هي قراءة سطحية جدا، فشخصية كبور ليست مجرد شخصية مضحكة، إنها بناء رمزي كثيف، تختزن داخلها أنماطا كاملة من الشخصية المغربية في علاقتها بالسلطة داخل البيت، في تصورها للزواج والحب والمرأة، في علاقتها بالمال والتدبير اليومي، نظرتها إلى الدين والتقاليد والعادات انماط العيش المختلفة، في علاقتها بالصورة الاجتماعية والمكانة الرمزية، وكذلك رصد دقيق لكل استراتيجياتها في المكر الاجتماعي والتفاوض مع الواقع.
ما جعل شخصية كبور أرشيفا اجتماعي حيا.، جل المغاربة تمثلوه فيهم أو في أقربائهم او في نماذج نعيش معها يوميا دون أن ننتبه إليها.. فكان الفد دقيقا وذكيا في اشتغاله على ما يمكن تسميته أنثروبولوجيا ساخرة للمجتمع المغربي.
ولهذا كله لا بد لنا نتساءل سؤالا فحصيا ونقديا في نفس الآن: هل الهجوم كان على “التهركاويت” فقط… أم على حسن الفد نفسه؟
من الصعب تجاهل أن حسن الفد راكم عبر مساره رسم صورة الفنان الذي حافظ على مساحة معتبرة من الاستقلالية داخل المشهد الفني المغربي. فهو لا يشتغل بمنطق التنفيذ فقط، بل بمنطق التحكم الواعي في مشروعه الفني، من بناء الشخصية إلى هندسة النص وإدراة إدارة الإيقاع الدرامي، إلى اختيار لحظة الظهور، إلى نوعية الجمهور الذي يخاطبه، طريقة العمل هذه لا بد لها أن تربك توازنات غير معلنة داخل صناعة الفرجة.
الفنان “المستقل”، الذي ينجح جماهيريا دون أن يعاد تشكيله بالكامل داخل منطق السوق أو شبكات النفوذ الثقافي، يصبح غالبا موضوع مقاومة رمزية أو فعلية مباشرة، تعبيرا عن ضيق بعض الفاعلين من نموذج فني ظل محتفظا باستقلاليته، وقادرا على إعادة تعريف الذوق العام خارج القوالب الجاهزة. صحيح، لا يمكن الجزم بوجود استهداف منظم دون معطيات دقيقة، لكن المؤكد أن الفنان/المفكر/الاعلامي/المثقف.. الذي يجمع بين الشعبية والاستقلالية والقدرة على إرباك السائد وخلخلة المعتاد من اوضاع وانساق، غالبا ما يدفع ثمن ذلك.
ومن الإحراجات التي أرادت حشر الفنان حسن الفد في الزاوية الضيقة ليسهل ركنه، وهي أنه يناقش مواضيع اجتماعية دون ان جرأة على الخوض في تحليل الواقع السياسي المغربي، وكأنهم بريدون ان يجعلوا من الفنان مراقبا دائما للسلطة، بينما يرفض المجتمع في كثير من الأحيان أن يراقب نفسه، وهو الذي ساهم بشكل مباشر او غير مباشر تعبيرا أو صمتا في إعادة إنتاج نفس الرداءة السياسية. ثم أليس كثيرون ممن يطالبون الفنان بفضح الفساد يتحولون أو متحولون من أصوات طبيعية إلى أبواق انتخابية تبرر نفس الممارسات التي يشتكون منها لاحقا؟
في اعتقادي، أخيرا وليس آخرا، لا ينبغي الانجرار وراء الرأي الذي اعتبر أن حسن الفد قد أهان المغاربة، كما حاول البعض تصوير الأمر، بل إنه كشف تناقض الانسان المغربي حين وضع المجتمع أمام مرآته، وجعله يتعرف على صورته التي أزعجته.


