كريم الصامتي يكتب :الأدب المقارن في الجامعة العربية عند الدكتورة فاتحة الطايب: تحولات البراديغم وإعادة بناء السؤال النقدي

تنطلق الباحثة من مساءلة الخلفيات الإبستمولوجية/ Épistémologie التي تأسس عليها الأدب المقارن في سياقه الغربي، سواء في المدرسة الفرنسية التي أولت أهمية لمسألة التأثير والتأثر، أو في المدرسة الأمريكية التي وسعت مجال المقارنة نحو الثقافة والأنثروبولوجيا/Anthropologie والدراسات العابرة للتخصصات. وتتجلى القيمة المنهجية للعمل في عدم الاكتفاء بتتبع المسار التاريخي لحقل الادب المقارن، بل في نقل السؤال

تواصل الساحة الأكاديمية المغربية والعربية تميزها في إنتاج أعمال علمية تسعى إلى مساءلة الحقول المعرفية الكلاسيكية وإعادة بناء أسئلتها المنهجية وفق تحولات الفكر المعاصر.

وفي هذا السياق، تبرز الدكتورة فاتحة الطايب باعتبارها واحدة من الأصوات البحثية التي اشتغلت على تقاطع الأدب والنقد والثقافة من منظور يتجاوز القراءة الوصفية إلى أفق الحفر الإبستمولوجي في المفاهيم والمناهج. فمن خلال اشتغالها الأكاديمي وياعتبارها أستاذة جامعية بجامعة محمد الخامس بالرباط ، انخرطت في مساءلة عدد من القضايا المرتبطة بالنقد الأدبي، وبإعادة التفكير في موقع المعرفة الأدبية داخل الجامعة العربية، خاصة في ظل التحولات التي فرضتها العولمة الثقافية، وتداخل الحقول المعرفية، وتراجع الحدود الصلبة بين التخصصات.
ضمن هذا الأفق الفكري، يأتي كتابها “الأدب المقارن في الجامعة العربية: جامعة محمد الخامس أنموذجا” بوصفه مساهمة علمية لا تكتفي بتوصيف واقع الأدب المقارن داخل المؤسسة الجامعية، بل تنخرط في تفكيك بنياته المعرفية وشروط إنتاجه التاريخية. فالكتاب لا يعالج الأدب المقارن باعتباره تخصصا تقنيا معنيا فقط برصد التشابهات أو التأثيرات بين الآداب، وإنما يتعامل معه باعتباره نسقا معرفيا يخضع لتحولات البراديغمات/ Paradigmes الفكرية التي حكمت العلوم الإنسانية منذ زمن.
تنطلق الباحثة من مساءلة الخلفيات الإبستمولوجية/ Épistémologie التي تأسس عليها الأدب المقارن في سياقه الغربي، سواء في المدرسة الفرنسية التي أولت أهمية لمسألة التأثير والتأثر، أو في المدرسة الأمريكية التي وسعت مجال المقارنة نحو الثقافة والأنثروبولوجيا/Anthropologie والدراسات العابرة للتخصصات. وتتجلى القيمة المنهجية للعمل في عدم الاكتفاء بتتبع المسار التاريخي لحقل الأدب المقارن، بل في نقل السؤال إلى المجال العربي: كيف تم استقبال الأدب المقارن داخل الجامعة العربية؟ وبأي أدوات مفاهيمية ومنهجية جرى تمثله وإعادة إنتاجه؟
من خلال اعتماد مقاربة تحليلية نقدية، تستقرئ الباحثة تجربة الجامعة العربية عبر نموذج جامعة محمد الخامس، ليس باعتبارها حالة معزولة، بل بوصفها تمظهرا دالا على سيرورة وصيرورة تشكل المعرفة الأدبية في السياق المغربي والعربي. وهنا يتحول النموذج الجامعي إلى مختبر معرفي يسمح برصد ديناميات التلقي، وحدود الترجمة المفهومية وإشكالات التوطين المنهجي للمعرفة النقدية الوافدة.
وتكشف الدراسة أن الأدب المقارن في الجامعة العربية لا يزال يعيش توترا إبستمولوجيا بين وفائه للمرجعيات الكلاسيكية وبين الحاجة إلى الانخراط في التحولات المعرفية الجديدة التي فرضتها الدراسات الثقافية ونظريات التمثل/ Représentation وأسئلة الهوية والاختلاف. ومن هذا المنطلق، تدافع الأستاذة الطايب ضمنيا عن ضرورة الانتقال من المقارنة بوصفها تقنية نصية إلى المقارنة بوصفها فعلا هيرمينوطيقا / Herméneutique ينخرط في تحليل أنساق المعنى، وتمثلات الذات والآخر، وبنيات السلطة الرمزية داخل الخطابات الثقافية.
إن ما يمنح هذا العمل قيمته العلمية ليس فقط موضوعه، بل أيضا طبيعته المنهجية التي تزاوج بين التأريخ المعرفي،والتحليل النقدي والاستقراء/Induction المؤسساتي. لذلك يمكن اعتبار هذا الكتاب مساهمة نوعية في إعادة بناء سؤال الأدب المقارن عربيا، خارج منطق التلقي السلبي للنماذج الغربية، وفي اتجاه تأسيس وعي نقدي قادر على إنتاج مفاهيمه الخاصة، واستثمار خصوصياته الثقافية في بناء معرفة أدبية أكثر استقلالا وفاعلية.
بهذا المعنى، لا تقدم الدكتورة فاتحة الطايب مجرد دراسة حول واقع تخصص جامعي، بل تفتح أفقا معرفيا وبحثيا أوسع للتفكير في علاقة الجامعة العربية بإنتاج المعرفة، وفي شروط الانتقال من استهلاك المناهج إلى مساءلة أسسها وإعادة الحفر فيها وتشكيلها في إطار أفق جديد.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...