حياة بركات تكتب :ما جرى في كواليس تدبير وتنزيل مسطرة اختيار المرشحات( اللائحة الجهوية للنساء ) لا يمكن وصفه إلا بـ “سوق سمسرة سياسية مكتملة الأركان”
إفراغ حق النساء في المشاركة السياسية من مضمونه: رسالة مفتوحة إلى قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

وتكشف ..تحويل التزكية الحزبية إلى “صك مالي” يكتب ويُوقع في كواليس الحزب، هو خيانة صريحة لمبادئ القوات الشعبية، وإفراغ لعملية الترشيح من أي بعد سياسي أو أخلاقي.
القضية تتجاوز هذه الانتخابات؛ إنها قضية نموذج حزبي نريد بناءه
بيان للرأي العام الوطني والحزبي:
إن ما جرى خلال مسطرة اختيار وكيلة اللائحة الجهوية من بين المرشحات، والذي حضرته وعاينته شخصياً، لا يمكن اختزاله إطلاقا في خلاف حول الأسماء أو المواقع، لأنه يطرح سؤالا أعمق يتعلق بمدى احترام الحزب لحق النساء في المشاركة السياسية على أساس المساواة وتكافؤ الفرص.
إن ما جرى في كواليس تدبير وتنزيل مسطرة اختيار المرشحات لا يمكن وصفه إلا بـ “سوق سمسرة سياسية مكتملة الأركان”.
ممارسات غير مسبوقة وإهانة للعمل السياسي:
وإن مما يثير الصدمة والاستهجان في مسار هذه المسطرة، أن تنحدر الممارسات إلى مستوى يقدم فيه رئيس المجلس الوطني، في سابقة خطيرة ومسيئة، على توزيع أوراق على المرشحات، مطالباً إياهن بتدوين المبلغ المالي الذي يلتزمن بدفعه وتذييل ذلك بتوقيعاتهن!
صك مالي
إن تحويل التزكية الحزبية إلى “صك مالي” يكتب ويُوقع في كواليس الحزب، هو خيانة صريحة لمبادئ القوات الشعبية، وإفراغ لعملية الترشيح من أي بعد سياسي أو أخلاقي. ويحدث هذا في محطة تنظيمية يُفترض أن يكون الاحتكام فيها مبنياً حصراً على الكفاءة، والاستحقاق، والرصيد السياسي والنضالي، وليس على القدرة على الدفع.
تحويل التمييز الإيجابي إلى مزايدة مالية
إن استبدال معايير الكفاءة والنضال بتوقيع تعهدات مالية هو مأسسة فعلية لتحويل التمييز الإيجابي إلى مزايدة مالية مقيتة تُقاس فيها قيمة المناضلة بالرقم الذي تكتبه على الورقة، لا بحجم كفاءتها وتاريخها السياسي، وطعنة غادرة في ظهر الديمقراطية الداخلية، وإهانة بالغة لكرامة المرأة الاتحادية التي يُراد تحويلها إلى مجرد أصل تجاري.
تساؤلات حارقة حول نزاهة المسطرة:
كيف يمكن الحديث عن تشجيع المشاركة السياسية للنساء، ثم ربط إمكانية ترشيحهن بقدرتهن على توفير مبالغ مالية لا تستطيع تحملها إلا فئة محدودة منهن؟
إن اشتراط أو إدخال القدرة المالية بهذا الشكل في مسار الاختيار لا يحقق تكافؤ الفرص، بل قد يؤدي عمليا إلى فرز النساء على أساس إمكاناتهن المادية. فتصبح صاحبة الإمكانات المالية في موقع أفضل، بينما قد تجد المناضلة التي راكمت سنوات من العمل السياسي والتنظيمي نفسها خارج المنافسة لأنها ببساطة لا تستطيع وضع المبلغ المطلوب. وهنا لا نكون أمام تمكين للنساء، بل أمام حاجز مالي أمام مشاركتهن السياسية.
وفي هذا السياق، تُطرح أسئلة جوهرية تتطلب توضيحاً سياسياً وتنظيمياً صريحاً:
ما الأساس الذي اعتمد لتحديد هذه المبالغ؟ ومن قررها؟
هل طلبت من جميع المرشحات بالشروط نفسها؟
هل أثرت قيمة المبلغ الذي تستطيع كل مرشحة الالتزام به في قرار لجنة البت؟
هل كان عدم القدرة على توفير مبلغ مرتفع سببا مباشرا أو غير مباشر في إضعاف حظوظ بعض المرشحات؟
النموذج الحزبي على المحك:
إن القضية تتجاوز هذه الانتخابات؛ إنها قضية نموذج حزبي نريد بناءه. إما حزب يفتح أبوابه أمام النساء بمختلف أوضاعهن الاجتماعية، ويجعل الكفاءة والاستحقاق والنزاهة والعمل هي مفاتيح الوصول إلى المسؤولية؛ وإما أن نسمح، ولو بشكل غير مباشر، بأن تصبح القدرة المالية أداة للفرز بين المناضلات.
فالنساء الاتحاديات لم يناضلن من أجل استبدال إقصاء بإقصاء آخر، ولم يطالبن بالمشاركة السياسية لكي يجدن أنفسهن أمام عتبة مالية تحدد من تستطيع المرور ومن تبقى خارج المنافسة. لقد ناضلن من أجل حقهن في المشاركة على قدم المساواة، وعلى أساس ما يحملنه من كفاءة ومشروع والتزام، لا على أساس حجم ما يستطعن وضعه من مال.
لذلك، فإن المطلوب اليوم هو الكشف بكل وضوح عن حقيقة المعيار المالي الذي اعتمد خلال هذه المسطرة، وعن المبالغ التي طلبت من المرشحات، وعن موقع هذه المبالغ في عملية المفاضلة واتخاذ القرار. لأن حق النساء في المشاركة السياسية لا ينبغي أن يكون له ثمن.
توقيع المكتوب:
د. حياة بركات
• أستاذة جامعية تخصص الاقتصاد والتدبير
• باحثة في التدبير العمومي الترابي وتدبير السياسات العمومية
• مناضلة في صفوف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ 1997
• عضو المجلس الوطني للحزب وعضو الكتابة الإقليمية بالجديدة
الجديدة، 23 غشت 2026



