عبد الكبير بلاوشو يكتب :الصحراء المغربية بين استراتيجية الحسم وإكراهات الفيتو الدولي : نحو الانتقال من تدبير النزاع إلى تكريس سيناريو الحل
ويقول : مواجهة فيتو المنع لا تكون بفيتو مضاد، وإنما بتوسيع فضاء المبادرة، وبناء التحالفات، وتعزيز المشروعية، وتطوير البدائل

لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي محدود، بل أصبحت تعكس جانباً من تعقيدات النظام الدولي، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية والسياسية والاستراتيجية مع مصالح القوى الكبرى وحسابات التوازنات الجيوسياسية. وفي ظل استمرار توظيف حق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن، تبرز إشكالية فعالية آليات التسوية الدولية وحدود قدرتها على إنتاج توافق سياسي نهائي.
ومن هذا المنطلق، تفرض المرحلة الراهنة التفكير في استراتيجية وطنية قوامها الحسم في الثوابت، والقطع مع منطق الاستنزاف، والانتقال من الدبلوماسية التفاعلية إلى الدبلوماسية الاستباقية.
أولاً : الفيتو الدولي وحدود العدالة في النظام متعدد الأطراف
يشكل حق النقض، وفق المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة، إحدى آليات صناعة القرار داخل مجلس الأمن، لكنه يعكس في الوقت نفسه اختلالاً بنيوياً في توزيع سلطة القرار الدولي. فامتلاك خمس دول دائمة العضوية حق تعطيل القرارات الموضوعية يجعل بعض الملفات الدولية رهينة لتوازنات القوة والمصالح الاستراتيجية.
وبالتالي، فإن التعامل مع الفيتو في قضية الصحراء المغربية يقتضي التمييز بين المشروعية القانونية للآليات الأممية وبين توظيفها السياسي، مع العمل على توسيع هامش التأثير الدبلوماسي المغربي داخل المنظومة الدولية.
ثانياً: الحسم الاستراتيجي وإعادة بناء المبادرة المغربية
إن الحسم الاستراتيجي لا يعني الانسحاب من المسار الأممي أو إغلاق قنوات التفاوض، وإنما يعني امتلاك رؤية واضحة لإدارة الملف، وتحديد الأولويات، وتطوير الأدوات الدبلوماسية والقانونية والمؤسساتية.
وفي هذا السياق، تمثل مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 مرتكزاً أساسياً للمقاربة المغربية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي في إطار السيادة الوطنية.
وقد اكتسب هذا المسار بعداً أممياً مهماً مع اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف.
ثالثاً: القطع مع منطق الاستنزاف وتطوير الدبلوماسية الاستباقية
إن استمرار النزاع وما يترتب عنه من كلفة سياسية وتنموية وإقليمية يستدعي تجاوز منطق الانتظار وردود الفعل، واعتماد دبلوماسية متعددة المستويات، تقوم على تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الحضور داخل المؤسسات الإقليمية، وتطوير التحالفات الاستراتيجية.
كما يتطلب الأمر الانتقال من مجرد تحصيل المواقف الداعمة إلى بناء توافقات دولية مستدامة، تستند إلى الحوار والحجة القانونية والمصالح المشتركة.
رابعاً: التنمية والحكامة باعتبارهما رافعتين للحسم الاستراتيجي
لا يمكن اختزال تدبير قضية الصحراء المغربية في بعدها الدبلوماسي وحده؛ إذ تظل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والحكامة الجيدة، والعدالة المجالية، والمشاركة المؤسساتية عناصر أساسية في تعزيز الثقة وترسيخ الاستقرار.
وعليه، فإن أي نموذج التنموي للأقاليم ينبغي أن يشكل رافعة استراتيجية متكاملة، تقاس نجاعته بقدرته على تحسين شروط العيش، وتوسيع فرص الاستثمار والتشغيل، وضمان المشاركة الفعلية في تدبير الشأن المحلي.
خاتمة
إن استراتيجية الحسم والقطع في قضية الصحراء المغربية لا تعني تبني منطق المواجهة أو القطيعة مع المؤسسات الدولية، وإنما تعني الانتقال من تدبير إكراهات النزاع إلى صناعة شروط الحل و تكريسه، ومن الارتهان لتقلبات التوازنات الدولية إلى امتلاك القدرة على التأثير فيها.
فالتحدي الاستراتيجي الحقيقي يتمثل في تحويل الثوابت الوطنية إلى قوة تفاوضية، والمشروعية السياسية إلى رصيد دبلوماسي، والنجاعة التنموية إلى دعامة للاستقرار.
إن مواجهة فيتو المنع لا تكون بفيتو مضاد، وإنما بتوسيع فضاء المبادرة، وبناء التحالفات، وتعزيز المشروعية، وتطوير البدائل؛ فالحسم الاستراتيجي ليس إلغاءً للتفاوض، بل هو امتلاك لشروطه، والقطع مع الاستنزاف ليس انسحاباً من الشرعية الدولية، بل هو توظيف أكثر فاعلية لأدواتها…‼️


