
إن أول ما يستوقف المتصفح للمجموعة الزجلية ” شْوِيَمني”[i] للزجال قاسم لبريني قبل النزول إلى متنها أو مساءلة أي مصاحب آخر من مصاحباتها، هو تجنيسها الذي جاء على غير العادة، وخالف ما دأبت عليه أغلب المجاميع الزجلية الحديثة التي اختارت مصطلح “زجل”أو ما يلف لفه كنصوص زجلية، وشعر زجل، وكناش زجلي، وزجل بدوي… فقد فضل الزجال قاسم لبريني تجنيس عمله تحت مسمى “شعر دارج”، وهو تجنيس مقتبس من التعريفات الكثيرة التي حازها فن الزجل، والتي ركزت في غالبيتها على نوع هذا الجنس الأدبي باعتباره شعرا، واللغة التي ينظم بها وهي اللغة العامية أو الدارجة كما جاء في كتاب “أسئلة السفر أو سفر الأسئلة” لإدريس أمغار مسناوي. لهذا يبقى اختيار الزجال له اختيارا مقبولا لكونه لم يخرج عن دائرة التجنيس الأصلي والمتداول ولم يبتعد عنه، فهو مرتبط به ارتباط شرح وتفسير، لم يسع من ورائه إلا إلى توضيح المتن الذي تظمه هذه المجموعة بين دفتيها، وهو الشعر المكتوب باللغة الدارجة. وإذا كان هذا التجنيس قد أحال على نوع المتن، فإن المضمون تكفل به العنوان الذي جاء ملخصا له، فقد أختاره الشاعر أن يكون قطعة مجتزأة منه، وصورة من صور ذاته التي لا يمكن أن تنجلي مقوماتها وتنكشف إلا بحضور صورة الآخر وصوته. هذا الآخر الذي لم يكن غير المرأة ذلك النصف الثاني للذات الشاعرة التي أومأ إليها العنوان وأكدتها أولى قصائد المجموعة “روح ما كايناش” من خلال توظيفها لضميري المتكلم (أنا) والمخاطبة (أنْتِ) في كل مقاطعها، والمحددين بشكل مباشر لهوية الأنا والآخر كما في هذا المقطع “شفت وجهي ف قنديلك../ زيت/ تضوي انتِ/ نتحرق أنا” ص: 3. وقد قادتنا هذه الثنائية إلى مساءلة هذا الحضور وبحث صوره، وذلك بالتركيز على صورتين اثنتين استحوذتا على أغلب قصائد المجموعة، تتعلق الأولى بالأنا المفعمة بالإنسانية، والثانية بالتكامل والانسجام بين الأنا والآخر.
الصورة الأولى: الأنا المفعمة بالإنسانية:
إن العلاقات الإنسانية بين الجنسين تقتضي أن يهتم كل طرف بأناه، ويعمل على بنائها البناء الذي يؤسس لخلق مجتمع متوازن قبل الانطلاق في رسم أي صورة عن الآخر كيفما كان نوع هذه الصورة. وهذا ما تفطن إليه الشاعر وهو يسعى إلى تشكيل هذه “الأنا” التي لن تكون بالضرورة أناه الخاصة، وإنما أي “أنا” ذكورية. والشاعر في تشكيله ورسمه لا يصنع نموذجا خاصا، ولا يقترح قالبا معينا، فالوصفة المثلى- حسب تعبيره- هي “تكون إنسان” ص: 6. وهذه الإنسانية بطبيعة الحال تتأسس على مجموعة من المقومات والقيم، جسدها الشاعر في صورة ألوان متعددة، ينبغي للإنسان أن يختار أحدها أو بعضها أو أن ينكب عليها كلها لكي يبني شخصيته ويترك أثره الإيجابي في الحياة، ومن هذه القيم والمقومات التي دعا إليها الشاعر التضحية في سبيل الآخر والإخلاص في العلاقات الإنسانية باعتبارها أساس وجود الإنسان وكينونته سواء أكان فاعلا أم مفعولا به. وقد استغل الشاعر في ذلك ما توفره اللغة الشعرية من أبعاد دلالية وإيحائية، وما تنتجه منطلقات القصيدة الحديثة من خصائص ومحددات فنية ترتكزعلى عناصر أسطورية كأسطورة أورفيوس التي جعل منها مثالا للوفاء والثبات على عقيدة الحب،سواء في رحلته الطويلة الممتدة عبر العصور من أجل إنقاذ زوجته أوريديوس أم في اعتزاله للنساء حدادا عن فقدانه زوجته ورفضه لباخياتديونيسوس اللواتي راودنه عن نفسه، وما جره عليه هذا الرفض من غضب أدى به إلى فقدان حياته. يقول: “ارسم ورقة بيضا(ء)/ ولونها بالحياة/ عاد اكتب قصة حب/ ولونها بالأوريفيوسي/ اكتب فيها الفراق خيال” ص: 14. ويستحضر كذلك أسطورة بروميثيوس الذي ضحى بنفسه من أجل الإنعام على الانسان وتكريمه، وذلك من خلال سرقته النار الرامزة للمعرفة والنور من الآلهة زيوسووضعها رهن إشارة البشر، وقد كان هذا الفعل سببا في سخط الآلهة وغضبها ثم تعذيبه. فحين يتعلق الأمر بمصير الآخر، وحين يكون مقابل التضحية هو الإنسان فلا شيء يعز ويغلو. يقول الشاعر في هذا الصدد: “اختر لون باش تكون/ وباش تكون/ كون بروميثيوسي ف إحساسك/ كون فنان/ ابدع ف خلقك لراسك/ رخيصة هي الكبدة/ إيلا كان المقابل هو الإنسان” ص: 6. كما ارتكز في جانب آخر على التراث الشعبي واختار شخصية المهرج أو البهلوان الذي يغير ملامح وجهه ويعبث بصورته بواسطة الألوان والأصباغ والأزياء إلى أن يصل بها إلى حد المسخ أحيانا، وما يخلقه من وضعيات ساخرة يستهزئ فيها بنفسه، كل ذلك من أجل إسعاد الأطفال ورسم الابتسامة على محياهم، يقول الشاعر “مثلا اختر تكون نكتة وهمية/ تحكي واقع كبير/ اختار تكونCLOWN/ هاز احزان الكون/ ويغرس فرحة ف وجه دري صغير/ جرب تْفَرًّح/ باش تفْرَح” ص: 6.
ومن بين القيم الأخرى التي دعا إليها الشاعر، أو ما اصطلح عليه بالألوان، لون إشاعة الحب ونبذ الكراهية والتعصب اللذين كانا سببا في الكثير من المآسي التي يعيشها المجتمع. وقد طغى هذا اللون على المتن الزجلي كما يتضح من المعجم الموظف، فقد استعمل للدلالة على الحب العبارات والكلمات التالية: (ارسم قلب، الشمس، الخواطر البيضا، اختر لون من شروق الشمس، فجر، اختر لون من الصباح، صفحة بيضا، ارسم شميسة لصباحك، ارسم فرحة، اختر تكون لحن فرحة، انقش الفرحة، اكتب المحبة، ارسم فرحة على حد الشوف، اكتب قصة حب…) وقد عمد إلى تكرار بعض الكلمات عمدا كالفرحة والمحبة، وذلك من باب التأكيد والتنبيه إلى أهميتهما في بناء مجتمع متآخ وآمن، دون أن يسيء ذلك إلى لغة القصيدة وأسلوبها لأن هذه الكلمات المكررة متباعدة من ناحية وظيفتها التصويرية. كما عبر عن الكراهية والتعصب بمعجم لا يتعدى بضعة كلمات من قبيل: (القبيلة، الضحكات الصفرا، الفراق…) وهو أمر طبيعي ما دام في الدعوة إلى الحب قطع للطريق عن كل أسباب الكراهية.
وقد اشترط الشاعر على كل متلق قبل أن ينخرط في ما دعا إليه، ولكي يكون رسولا للإنسانية أن يتصالح مع ذاته أولا، وأن يذوب عشقا في نفسه ثانيا، لكون هذين الشرطين مقومين يجعلانه محبا للحياة وللآخر. يقول في هذا الصدد: ” اختر لون/ ورسم راسك كيف تمنى راسك/ وباش تغسل راسك/ ذوب ف عشقك لراسك/ بحال شي ثلجة/ ملي ذابت…/ غسلت راسها ب راسها).
لقد بدت الأنا الشاعرة مفعمة بالإنسانية إما من خلال حثها على التمسك بالقيم والمثل العليا في الحياة، أو من خلال مشاعرها الفياضة بالحب اتجاه المرأة، فهو يسمو بها إلى أعلى الدرجات “يا جنة” ويحل ذاتها مكانة مقدسة يتوجه إليها بكل فروض الطاعة والتوحيد، وهذه أقصى درجات الإخلاص والتضحية. يقول: “يا جنة/ هديتك قلبي ركعة، والخفقات سجدات/ وتاب في كلشي، من كلشي/ وسمحت ورايا ف أرض الكسدات/ وجيتك نشهد لك بالوحدانية/ ما شركت بيك حد ف الحب” ص: 32
2- الصورة الثانية: تكامل الأنا والآخر
يتجلى هذا التكامل من خلال عدة مواقف تبين عن وعي الشاعر وإيمانه بأن البناء لن يتم بيد واحدة، وأن بلوغ حلمنا لن يكون إلا بسواعد الرجال والنساء معا. ومن هذه المواقف تلك التي يلتمس فيها من الآخر الاستجابة لدعوته ويحرضه على القيام بالفعل كما في قصيدة “أجي نْحَلمُ” التي يحاور فيها طرفه الثاني ويدعوه إلى الانخراط في رسم مستقبل يسوده الصفاء والوفاء بعيدا عن كل ما من شأنه أن يكدر الحياة ويتعسها، متجاوزين بذلك كل الخلافات والصراعات التي طبعت علاقة الرجل بالمرأة إن ماضيا وإن حاضرا. وهذا التجاوز بقدر ما يبنى على النظر إلى المستقبل وما يحمله من أمل ومن تحديات أيضا، تقتضي توحيد الجهود وتوثيق عرى المحبة، بقدر ما يتأسس على العودة إلى الأصل وإلى الغاية التي خلق من أجلها الجنسان معا، وهذا ما عبر عنه في قوله: “أجي نركب هاد الطريق/ حتى لأخرها/ حفيانين من ماضينا/ وف أخرها نلقاو أولنا/ ونعاودوه ف الرسمة” ص: 16، فمن هذه النقطة الأخيرة ينبغي أن يبدأ الطرفان وينطلقا في تأسيس علاقتهما برؤية حداثية تعيد النظر في كل الأشياء بلوغا للمحبة والألفة والتكامل، يقول في هذا الصدد: “واحنا خطوة وحدة ف طريق المحبة/ حتى لأولها/ وباش نكون روح وحدة/ آجيعوتاني/ نختارُ نكونُ” ص: 23.
وفي إطار هذا التكامل بين الجنسين يسعى الشاعر إلى دحض ذلك التمثل الشائع في الأوساط العامة القاضي بنقص المرأة وعدم أهليتها، وهو تمثل ناجم عن سوء فهم للقاعدة الفقهية التي تنص على أن النساء ناقصات عقل ودين وتأويل خاطئ لها، وإلى تغيير النظر إليها من خلال اعتبارها إنسانا كاملا مستغلا في ذلك النص الديني نفسه الذي يعتبر المرأة مخلوقا من ضلع الرجل ومستعينا بالآليات البلاغية والتصويرية التي يقتضيها النص الشعري. وما دامت المرأة قد خلقت من ضلع الرجل فإن النقص لن يعتريها أبدا، بقدر ما يعتري الرجل الذي سيظل في حاجة إلى رتق هذا الجزء الذي أخذ منه، كما عبر عن ذلك الشاعر في هذه الصورة الشعرية “أنت…/ كاملة بلايا/ وأنا…/ ناقص بلاك/ حيت موخوذة مني” ص: 24.
ورغبة في تحقيق الاكتمال، سيبدأ الشاعر رحلة البحث لاسترجاع جزئه المفقود، فبالعثور عليه يمكن في نهاية المطاف سد خصاصه، وهو الأمر الذي لن يتأتى إلا بالتضحية والعمل على إسعاده بشتى الوسائل. يقول: “نتحرق وأنا راضي/ غي نكون شرارة/ تشعل هاد الكون/ إيلا طفا ف عينيك…[إلى أن يقول] ف آخر لفة/ نلقاك شوي مني/ باش نكمل” ص: 24- 27.
ولم ينطلق الشاعر في رحلة بحثه هذه إلا وهو يعلم أن طموحاته في الحياة، بل حياته كلها، متوقفة على هذا النصف الآخر، فبدونه سيظل مهيض الجناح مكسورا تجهض كل أحلامه. فما بين الحلم وتحققه مسافة تقاس بحضور الآخر وغيابه. يقول: “قلت…/ نكون…/ وبلاك ما كنتش” ص: 27
وفي سياق هذا التكامل دائما، وتعزيزا لوجود المرأة إلى جانب الرجل في المجتمع، فإن الشاعر قلب الصورة السابقة التي ظهرت فيها المرأة قطعة مجتزأة منه، محققة اكتمالها على حسابه، فجعل الرجل هذه المرة هو الحلقة المفقودة، وقرن وجوده بوجودها لا على مستوى الجسد فحسب وإنما على مستوى الروح. فمن المرأة يستمد روحه ونسغ الحياة بعدما كان جسدا من طين، كما يظهر من هذه الأسطر: “من روحك/ سالت روحي/ تدفقت صرخة […] من بكري…/ هاد القماط مكفن كسدة/ من بكري…/ هاد الكسدةمكفنة روح/ من بكري…/ هاد الروح/ ما شي ديالي” ص:45. وبهذا التبادل في الأدوار الذي مثلته الصورتان السابقتان يِؤكد الشاعر تكامل الأنا والآخر.
إن الشاعر ليذهب أبعد من ذلك حين يربط وجوده بالمرأة كليا كما في قصيدة “كلي ديالك” ص: 63. وقد خلق في هذا السياق عددا من الصور الشعرية التي تعلي من شأن المرأة وقيمتها، فالحياة بالنسبة له ظلماء دامسة، وهو فيها أعشى لا يرى إلا بما يستمده من المرأة من نور “إلا دق الظلام بابي/ دفنو شوفتي ف عينيها/ باش تشوف ضوها/ اللي كانت عيني تشوف بيه” ص: 63. وهو ظامئ إلى الحياة أشبه ما يكون ميتا إذا لم يرتو من وجودها بجانبه “شحال يقدني من شوفاتك/ باش نعمر كاسي؟/ وباش نروي عطشي من شوفاتك/ شحال يقد هاد الميت من كاس؟” ص: 64.
وقد استعان الشاعر في هذا الصدد، حين تعلق الأمر بالعلاقات العاطفية خاصة، بضميري المتكلم المفرد والمخاطبة المفردة اللذين خلقا نوعا من الحوار في النص الزجلي ومنحاه صفة التخصيص، لأن النص لا يمكنه أن يستقل عن الذات الشاعرة مهما حاول ذلك ومهما حاولت هي أن تستخفي وراء ما تخلقه من عناصر بلاغية[ii]،فالأنا المتكلمة هي أنا الشاعر، وما عبرت عنه من مشاعر قد لا تنسحب على غيرها من الذوات، كما أن الآخر المخاطب هو محبوبته المخصوصة بهذا البوح كما في قوله “أنت الباهية/ أنا العاشق ليك/ أنت العالية/ أنا الحاير كيف نجيك/ أنت كلي/ وتلخصتِ ف شوية مني” ص:53.
ختاما يمكن القول إن هذه الصور التي رسمها الشاعر قاسم لبرينيسواء أكانت عامة أم خاصة،وهذه المكانة التي أحلها للمرأة- محبوبة كانت أم غيرها-سعى من ورائها إلى تحسين صورتها وتحبيبها للمتلقي في وقت شيأتها فيه المؤسسات التجارية الباحثة عن الربح المادي، فتاجرت بأنوثتها وجسدها، واغتالت روحها وفكرها وإنسانيتها. وفي وقتاشتدت فيه الصراعات بين الجنسين وانفرطت فيه أواصر المحبة والألفة، فأصبح كل واحد يعمل على اقتصاص حقوقه من الآخر، ويبحث عن إثبات ذاته ومكانته على حساب الآخر. فمثل هذه الصور التي حبلت بها المجموعة الزجلية تؤسس لعلاقة إنسانية بينهما وتدحض كل المزاعم والأفكار التي تهدف عن قصد أو بدونه إلى خلق التوتر بينهما وتحيل البيوت إلى حلبة للصراع.
——————
[1]- شوي مني (شعر دارج)- قاسم لبريني- مطبعة- YADIP- [د م]- 2019- 70 صفحة. وتجدر الإشارة إلى أن عنوان المجموعة يتناص مع إحدى قصائد الزجال إدريس أمغار مسناوي التي تحمل العنوان نفسه في مجموعته “ديال من هي الحياة” ص: 187
[1]- الشعر في إطار العصر الثوري- عزالدين اسماعيل- دار الحداثة- لبنان-[دت]-ص: 40


