محمد قــويط يكتب..فضاء المقاهي وبروز فئة ” الفهايمية”
شارك
لطالما اعتبرت المقاهي فضاءا اجتماعيا وثقافيا بارزا يجسد طبيعة التنظيم الاجتماعي ومرآة عاكسة لأنماط تفكير المجتمع وسلوكياته ففيها يجد الفرد ضالته من حيث كسر رتابة العمل اليومي ، وفيها كان يستلهم الأدباء والمثقفون أعمالهم الفكرية وينشد الشعراء قصائدهم الشعرية حتى تغنى بها نزار قباني في قصيدته الشهيرة ‘’ بانتظار سيدتي ‘’ : ‘’أبقى في المقهى منتظرا عشرة أعوام قمرية منتظرا … سيدتي الحلوة تقرأني الصحف اليومية …ينفخني غيم سيجاراتي ..يشربني فنجان القهوة …’’كما كانت مقاهي الإسكندرية شاهدة على نزول عدد مهم من مثقفيها الكبار أمثال نجيب محفوظ ومحمود السعدني ويوسف إدريس وغيرهم لأركانها فكانون يؤثثون جنباته وينيرون عتماته بسجالتهم الفكرية الصاخبة ، كما لعبت المقاهي أيضا أدوارا اجتماعية ونفسية متعددة تمثلت في عملية التفريغ النفسي وكذا الوجداني وتوطيد العلاقات الاجتماعية ، بيد أن فضاءات مقاهينا اليوم أضحت في معظمها أمكنة تعج بانتشار ظواهر وسلوكيات تروم بالأساس نشر الخرافة والشائعة والتي غالبا ما تؤثر على الرأي العام .
يقول الكاتب الإنجليزي : هنري جيمس معلقا على ظاهرة بزوغ المقاهي الباريسية قائلا ‘’ هنا يتمكن المرء من الجلوس بسلام لساعات من دون إزعاج : يقرأ ويكتب في الصباح ويقوم بأعماله في الظهيرة ويضحك ويناقش الأصدقاء ليلا ‘’وهو الأمر الذي لانلمسه نحن من داخل جل مقاهينا ، والتي عوض أن يثير مرتادوها الكرام النقاش الهادف والهادئ تجد معظمهم يحشر أنفه في كل شيء ويفهم في كل شيء ‘’ تيحلل في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ ‘’ فلا نحن نجلس في سلام ولا نحن نناقش بسلام ولا نحن نضحك بسلام ، صحيح أنه لايحق لنا أن نصادر أحدا في طريقة حديثه أوفي عملية فهمه واستيعابه للأشياء ، بيد أنه كما يقال دوما لكل مقام مقال ، وفضاء المقهى هو في الأصل محطة استراحة نفسية ومرتع مراجعة سير حياتنا اليومية وكذا وسيلة لإغناء الرصيد الثقافي وليس حلبة للنميمة ونشر البغضاء والصراخ والقهقهات التي يصل مداها الجهة الآخرى من الرصيف.
إن بروز فئة واسعة من هؤلاء ‘’ الفهايمية ‘’ الذين يحللون في كل شيء دون أدنى مستوى دراسي أو تعليمي و التطفل على خصوصيات الآخرين من شأنه أن يؤثرسلبا على النسق ككل ، كنشر الأخبار الزائفة والخرافة وكذا الأسطورة ‘’ وتغليط الرأي العام ، وبالتالي إعادة إنتاج نفس النسيج الإجتماعي .