ياسين تمورت يكتب :خطاب العرش 23 خطى جديدة نحو مغرب التقدم والكرامة

غني عن البيان أن عيد العرش يشكل فرصة لتأكيد طبيعة العلاقة القائمة بين الملك والشعب المغربي، ومحطة سنوية لاستحضار لحظات البناء المشترك والخطوات التنموية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين.

لقد استحضر جلالة الملك من خلال خطاب العرش الذي ألقاه بمناسبة الذكرى 23 لعيد العرش قيمة أساسية تتمثل في عنصر التلاحم الوثيق، الذي شكل دائما أساسا لتجاوز المشكلات المطروحة على المجتمع، وهو ما شكل عاملا جوهريا في مواجهة تداعيات وانعكاسات أزمة كوفيد 19 التي باتت مستمرة وأدت الى تقلبات اقتصادية دولية مما انعكس على الاقتصاد الوطني.

وفي ضوء هذا الوضع المتقلب، وسيرا على نهج جلالته في اشراك المجتمع نساء ورجالا في مسلسل التنمية لبناء مغرب التقدم والكرامة؛ أطر جلالته ثلاثة مستويات من التحديات المطروحة حاليا، ممثلة في :

  • توطيد الاستقرار الاجتماعي
  • النهوض بوضعية المرأة والأسرة
  • تعزيز قدرات الاقتصاد الوطني

أولا : فعلى مستوى توطيد الاستقرار الاجتماعي، شملت المبادرات الملكية رسم سياسات تهدف الى تحقيق السيادة الصحية وضمان أمن وسلامة المواطنين؛ حيث أبرز جلالته المجهودات التي بذلتها الدولة لفائدة الفئات الهشة والفقيرة، بفضل تظافر جهود المواطنين والسلطات العمومية، مشيرا الى التكاليف الباهظة لذلك كله، والتي من صورها تقديم مساعدات مادية مباشرة للأسر المحتاجة، والدعم المخصص للقطاعات المتضررة، بالاضافة الى الجهود التي تم بذلها على المستوى الصحي سواء الوقائي او الاستشفائي بشراء اللقاء وتوفيره بالمجان رغم ثمنه الباهظ في السوق الدولية، مع الحرص على استمرار الإمدادات اللازمة من المواد الأساسية بكميات كافية في مختلف ربوع المملكة ..

وأكد هنا جلالة الملك على أن ورش الحماية الاجتماعية مستمر من خلال :

  • مشروع التغطية الصحية الإجبارية: بلغ عدد المنخرطين في نظام التأمين الإجباري عن المرض، أكثر من ستة ملايين من العاملين غير الأجراء وعائلاتهم، وكذلك تعميم هذه التغطية الصحية على المستفيدين من نظام “RAMED”
  • مشروع تعميم التعويضات العائلية: الذي سيستفيد منه 7 ملايين طفل من العائلات الهشة والفقيرة، وثلاثة ملايين أسرة بدون أطفال في سن التمدرس.

وكعادة جلالته في قيادته للمشاريع التنموية وحرصه على تحقيق أهدافها المتوخاة وفق البرمجة الزمنية المحددة، دعا جلالته إلى ا لإسراع بإخراج السجل الاجتماعي الموحد، باعتباره الآلية الأساسية لمنح الدعم من جهة، وضمان نجاعته باعتباره (حسب المادة 10 من القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات) إطارا لتسجيل الأسر قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي التي تشرف عليها الإدارات العمومية والجماعات الترابية والهيئات العمومية.

وهنا لابد أن نذكر بالقيادة السامية لهذا المشروع الملكي الضخم الذي يعتبر مشروعا اجتماعيا استراتيجيا وطموحا. حيث جاء في خطاب جلالته بمناسبة الذكرى الـ 19 لعيد العرش: “أن الأمر يتعلق بنظام وطني لتسجيل الأسر، قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، على أن يتم تحديد تلك التي تستحق ذلك فعلا، عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال التكنولوجيات الحديثة.”

فهذا السجل سيكون رافعة أساسية لإعادة الهيكلة الشاملة والعميقة، للبرامج والسياسات الوطنية، في مجال الدعم والحماية الاجتماعية.

ثانيا : حظيت قضايا المرأة بعناية الملك منذ اعتلائه العرش حيث شكلت المبادرات الملكية في مجال المرأة والأسرة ثورة مجتمعية متكاملة التأثيرات في مختلف مناحي الحياة؛ الشيء الذي جعل جلالته من خلال خطاب العرش 23 الى “التشديد” على : “ضرورة المشاركة الكاملة للمرأة المغربية، في كل المجالات” ولعل مبعث هذه الدعوة انحياز بعض الفاعلين إلى اختزال مشاركة المرأة في احترام الشكليات التي تنص عليها الاليات التشريعية والتنظيمية لمشاركة المرأة.

فجلالة الملك وقف على أهم الأسباب وراء تشديده على هذه الضرورة، والتي ارتبطت أساسا بجانبين :

  • الدعوة الى تفعيل المؤسسات الدستورية، المعنية بحقوق الأسرة والمرأة، وتحيين الآليات والتشريعات الوطنية، للنهوض بوضعيتها؛
  • التشديد على ضرورة التزام الجميع، بالتطبيق الصحيح والكامل، لمقتضياتها القانونية وتجاوز الاختلالات والسلبيات ، التي أبانت عنها التجربة.

نعم، لقد بصم الملك محمد السادس مسيرة الإصلاح بإصدار مدونة الأسرة، حيث كرست نظرة جديدة لمفهوم الأسرة ومكانة المرأة، الشيء الذي تعزز باعتماد دستور 2011، بتكريسه لمفاهيم حقوق الإنسان وكونيتها، حيث نص على مبدأ المساواة بين المرأة والرجل، في الحقوق والواجبات، والمناصفة .. وأورد مجموعة من المقتضيات التي تؤكد حقيقة المكانة التي يوليها جلالته للمرأة منذ اعتلائه عرش أسلافه.

رغم هذا التقدم وبالنظر الى العوائق القائمة أمام استكمال مسيرة النهوض بحقوق المرأة ومكانتها، وتحول دون تحقيق الأهداف المتوخاة منها، حيث يؤكد جلالته أنه : ” من بينها عدم تطبيقها الصحيح، لأسباب سوسيولوجية متعددة، لاسيما أن فئة من الموظفين ورجال العدالة، مازالوا يعتقدون أن هذه المدونة خاصة بالنساء.”

فكانت الرسالة واضحة الى جميع الفاعلين لتحقيق الفهم السليم لغايات مسيرة الاصلاح والمبادئ التي تقوم عليها مدونة الأسرة خصوصا مبدأ التوازن الذي يحقق للمرأة حقوقها، وللرجل حقوقه، وتراعي مصلحة الأطفال.

وفي هذا الباب نعتقد أن المؤشرات واضحة أمام فتح نقاش حقيقي وجدي للوقوف على مكامن الخلل لمعالجتها بتصحيح الممارسات خصوصا على :

  • على مستوى التشريع بالوقوف على الاختلالات والسلبيات، ومراجعة البنود التي تم الانحراف بها عن أهدافها عند الاقتضاء، فجلالته يؤكد من خلال هذا التشديد أنه يلزم القطيعة مع أشكال التأويل وتحريف المضامين عن سياقها وأهدافها، مؤكدا في هذا الصدد أنه حريص على أن يتم ذلك ، في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية ، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح ، والتشاور والحوار، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية.
  • على مستوى الممارسة القضائية باعتبار القضاء مؤسسة حماية الحقوق والحريات وضامنا لكرامة المرأة والرجل على حد سواء، حيث دعى جلالته الى تعميم محاكم الأسرة على كل المناطق وتمكينها من الموارد البشرية المؤهلة، ومن الوسائل المادية، الكفيلة بأداء مهامها على الوجه المطلوب. وبذلك يكون جلالته وقف على أحد مكامن الخلل وأعطى لمختلف الفاعلين نموذجا في الممارسة الاقتراحية المطلوبة بتحديد الحلول الممكنة وأجرأتها.

ان هذه الإشارات الواضحة من جلالته، تؤكد لكل متمعن بأن المكانة التي ينبغي أن تحتلها المرأة تحتاج منا إلى نظرة تنموية لضمان انخراطها ومشاركتها الفاعلة، في مختلف مجالات التنمية.

ثالثا : ما فتئ جلالة الملك يسهر على صمود الاقتصاد الوطني أمام التداعيات المتوالية للاقتصاد الدولي، حيث أكد جلالته على أن صمود الاقتصاد الوطني يرجع الى تضافر الجهود بين الدولة والقطاعين العام والخاص الشيء الذي حقق نتائج ايجابية أدت الى انتعاش الاقتصاد الوطني سريعا لكن هذه المرحلة لم تدم طويلا نظرا للظروف العالمية حيث إنه مع استمرار ظرفية كوفيد 19 زادت الأزمات الدولية الحالية من شدة تدهور الأوضاع الاقتصادية العالمية، إضافة الى تواضع انتاجية الموسم الفلاحي؛ الشيء الذي أدى الى ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية. موضحا جلالته أنه مشكل تعاني منه كل الدول.

فلقد أطلق جلالته البرنامج الوطني للتخفيف من آثار الجفاف على الفلاحين، وعلى ساكنة العالم القروي.

وهو البرنامج الذي يكلف غلافا ماليا إجماليا يقدر بعشرة ملايير درهم منها ثلاثة ملايير درهم من صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي مجال دعم القدرة الشرائية ووفقا للتوجيهات الملكية السامية تمت مضاعفة ميزانية صندوق المقاصة، لتتجاوز 32 مليار درهم، برسم سنة 2022 حيث تم تخصيص اعتمادات مهمة، لدعم ثمن بعض المواد الأساسية، وضمان توفيرها بالأسواق.

وعلاقة بما سبق تحقيقه على مستوى تعزيز تماسك الاقتصاد الوطني في الفترة الأخيرة، فقد دعى جلالته الى التفاؤل بشأن  والتركيز على نقط القوة، وتعزيز آليات التضامن الوطني، والتصدي بكل حزم ومسؤولية، للمضاربات والتلاعب بالأسعار.

أما فيما يخص الاستثمارات كعادة جلالته يدعو الى استثمار ما تتيحه هذه الأوضاع، والاستفادة من الفرص والافاق التي تفتحها هذه التحولات، لاسيما في مجال جلب الاستثمارات، وتحفيز الصادرات، والنهوض بالمنتوج الوطني.

كما أكد على تحصين جاذبية المغرب الاقتصادية والاستثمارية من خلال دعوة الحكومة والأوساط السياسية والاقتصادية، للعمل على تسهيل جلب الاستثمارات الأجنبية، التي تختار بلادنا في هذه الظروف العالمية، وإزالة العراقيل أمامها. ومواجهة النزوات الشخصية التي تغلب أصحاب المصالح الخاصة وتحقيق الأرباح الشخصية، ومحاربة العراقيل المقصودة.

إن حرص جلالة الملك على تحصين الثقة في القدرات الوطنية يدعونا دائما الى الاصطفاف وراء جهوده المولوية وقيادته الرشيدة للشعب المغربي قاطبة نحو التنمية المنشودة، في إطار الرؤية المتبصرة لجلالته.

وفي جانب آخر يواصل جلالة الملك التأكيد على سياسة اليد الممدودة في وجه الجزائر، مشددا على جعل الحدود، التي تفرق بين الشعبين الشقيقين، المغربي والجزائري، جعلها جسورا، تحمل بين يديها مستقبل المغرب والجزائر، وأن تعطي المثال للشعوب المغاربية الأخرى.

موجها جلالته رسالتين قويتين :

  • الأولى : يهيب جلالته من خلالها بالمغاربة، لمواصلة التحلي بقيم الأخوة والتضامن، وحسن الجوار، التي تربطنا بأشقائنا الجزائريين؛ الذين نؤكد لهم بأنهم سيجدون دائما، المغرب والمغاربة إلى جانبهم، في كل الظروف والأحوال.
  • الثانية : إلى من يقومون بادعاءات غير مسؤولة، التي تتهم المغاربة بسب الجزائر والجزائريين، بأنهم يريدون إشعال نار الفتنة بين الشعبين الشقيقين
  • إلى الرئاسة الجزائرية : مؤكدا تطلع جلالته للعمل مع الرئاسة الجزائرية لأن يضع المغرب والجزائر يدا في يد، لإقامة علاقات طبيعية، بين شعبين شقيقين، تجمعهما روابط تاريخية وإنسانية، والمصير المشترك.

كلها رسائل تحتاج إلى انتباه وإصغاء يقظ من طرف النظام الجزائري والتفاعل معها بالوعي اللازم، وإن تبصر المسؤولين الجزائريين وانخراطهم في الرؤية الملكية البعيدة المدى، سيؤدي بلا شك الى وضع أسس وركائز تحقيق التكامل المغاربي المنشود، وهو التصور الذي دعا إليه جلالته في عدد من المناسبات باعتباره خيارا استراتيجيا ومشروعا اندماجيا لا محيد عنه.

مؤكدا على حرص جلالته على الخروج من هذا الوضع، وتعزيز التقارب والتواصل والتفاهم بين الشعبين.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...