بات العديد يرى بأن بصيص الأمل هو ركوب مغامرة أمواج البحر عبر قوارب الموت والهروب الجماعي الى الفردوس الأوربي المنشود ، لذا فإن سجودهم بمجرد أن وطأت أقدامهم بلاد الأمل هو أكثر أجرا وثوابا من سجود الكعبة .

تداول المغاربة بشكل مكثف عبر فضاءات التواصل الاجتماعي فيسبوك واليوتوب وغيرها من المواقع وصول قارب خشبي للصيد التقليدي وعلى مثنه العشرات من الأشخاص ومنهم طفل لايقل عمره على 3 سنوات يحمله شاب في ريعان العمر بين دراعيه يبدو أنه والده ، هؤلاء الشبان بمجرد وصولهم إلى الضفة الأخرى بدؤوا في السجود حمدا لله على وصولهم وحناجر بعضهم تصيح وهي مبحوحة على القهر والتسلط والفقر الذي يكابدونه على تراب بلدهم “المغرب ” وأنهم تعبوا من سياسات الإحتقار والمعاناة الاقتصادية والاجتماعية على كل المستويات ، هذا المشهد المؤلم أثار سخط العديد من المغاربة على سياسات التهميش المستمرة وأحيانا الممنهجة في حق العديد من الشرائح المجتمعية التي عشعش الفقر في وسطها وبات مركبا ومعقدا وملتويا وأصبحت معاناتهم لاحصر لها ، وبات العديد منهم يرى بأن بصيص الأمل هو ركوب مغامرة أمواج البحر عبر قوارب الموت والهروب الجماعي الى الفردوس الأوربي المنشود ، لذا فإن سجودهم بمجرد أن وطأت أقدامهم بلاد الأمل هو أكثر أجرا وثوابا من سجود الكعبة .

هذا المشهد الدراماتيكي يدفع إلى طرح السؤال الجارح لما كل هذا التخلف الذي أصبح جاثما على المغرب دولة وشعبا ولعقود من الزمن ؟ ولماذا فشلت كل السياسات التنموية الاقتصادية التي باشرها الساسة بمختلف تلويناتهم ومعهم طبعا نظام سياسي برمته ؟ فمجرد إلقاء نظرة عن آخر تقرير للامم المتحدة في تصنيف الدول تنمويا لسنة 2019 فالمغرب يحتل المرتبة 121 من بين اصل 180 دولة وان ترتيبه في محيطه المغاربي هو قبل موريطانيا فقط رغم إمكانياته الاقتصادية والبشرية المهمة ،وانه خلال اكثر من اربعة عقود فهو يحتل مراتب في التنمية بعد المائة ولايتزحزح من هذه المراتب .
ورغم أن الدولة باشرت أكثر من برنامج تنموي كان آخرها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتي عقدت عليها آمال اقتصادية كبيرة وواسعة وكان الهدف هو تقليص الفوارق الاجتماعية وتحقيق طفرة اقتصادية ، لكن خطاب جلالة الملك سنة 2019 أعلن عن فشلها وأعلن عن ضرورة البحث عن برنامج تنموي جديد وعن تأسيس لجنة لذلك والتي لازالت تبحث عن تصور شامل لهذا البرنامج والواقع أن إخراجه سيتطلب وقتا مهما نظرا للظرفية الاقتصادية العالمية التي تمر منها كل الاقتصاديات الدولية التي عرفت تراجعا للتنمية والمغرب ليس بمنأى عن هذه الظرفية بسبب وباء “كورونا “وتراجع مؤشرات التنمية الى مستويات متدنية اذ ان آخر تقرير لبنك المغرب سجل نسبة تراجع قدرت في 7,2%.
وإنه مع ذلك فإن فشل البرامج التنموية الاقتصادية يتطلب بالضرورة البحث عن الأسباب المباشرة لفشلها قبل البحث عن بديل لها.
هذا البحث يتطلب تقييما شموليا وموضوعاتيا للوقوف عن الأسباب الحقيقية لهذا الفشل، للأسف لايتم هذا التقييم وتبقى الأسباب نفسها والنتيجة هو ترقب الفشل المستقبلي لأي برنامج تنموي اقتصادي.
إن المتتبع والناقد للشأن السياسي و الاقتصادي للمغرب يبدو له سبب فشل هذه البرامج التنموية هو ارتباطها الجدري بظاهرة متفشية ومستشرية في كل المؤسسات وهي ظاهرة الفساد كالرشوة والمحسوبية والزبونية والتعليمات والتدخلات وعدم الشفافية وعدم النزاهة وفساد العدالة وغيرها من مظاهر الفساد المنتشر كالفطريات والذي اثر على معدل الثقة على كل الأصعدة .
إن ظاهرة الفساد هذه متغلغلة ومتجدرة في الدولة وانه رغم نصوص الدستور الذي ينص صراحة على ربط المسؤولية بالمحاسبة ورغم القوانين المعاقبة عليها ورغم وجود هيآت الحكامة الدستورية لمناهضتها وجمعيات المجتمع المدني فهي منتشية باستمرارها وعجز الدولة في محاربتها ، حيث أن المغرب يحتل مراتب متقدمة في الفساد حسب منظمة الشفافية الدولية اذ بالإطلاع على التقرير الاخير المنجز عن سنة 2019 فهو تراجع 7 مراتب ليحتل الرتبة 80 دوليا من أصل 180 دولة وهذا يعنى أن منحى الفساد في تصاعد مستمر وتبقى الشعارات المرفوعة بمحاربته من طرف الأجهزة الرسمية الحكومية وباقي المؤسسات مجرد در الرماد في العيون تبقى مؤثراته محدودة ظرفيا و في زمان قصير .
إن الفساد في تصورنا هو المسؤول الأول عن فشل كل السياسات والبرامج التنموية الاقتصادية والثقافية والقضائية ، لذا فمايحتاجه المغرب هو محاربة الفساد وبالتبعية محاربة المفسدين اينما كانوا وحلوا ، وأن ذلك لايمكن أن يتأتى إلا بوجود إرادة سياسية حقيقية من نظام الحكم تقطع بشكل نهائي مع مظاهر التطبيع مع الفساد وذلك بالتصدي لكل مظاهره وشخوصه مهما كان مراتبهم و مستواهم مع سريان دولة القانون ، وان الضمائر الحية للمواطنين الشرفاء ملزمة بدورها القيام بواجباتها وذلك بفضح كل مظاهر الفساد والمفسدين أينما وجدوا .
فدولة القانون هي إحدى منطلقات تأسيس الدولة الديمقراطية الحداثية التي تجعل من المساواة بين المواطنين في الحقوق والالتزامات أساس أي نهضة تنموية اقتصادية وثقافية واجتماعية والقطع التام مع كل مظاهر الريع بمفهومه الواسع ،السياسي والاقتصادي والاجتماعي ،إن ترسيخ هذه المبادئ المدخل الحقيقي لأية انطلاقة تنشد التقدم والتنمية بمفهومها الشامل مع جعل العنصر البشري اساس هذه التنمية باعتباره ثروة غنية ومبتكرة وان الإنسان هو الثروة الاساسية لكل تقدم وهذا لايعني ان باقي الثروات هي ثانوية بل أساسية بدورها لانها ارضية صلبة للتطور لكن الانسان هو محركها لذا وجب الاهتمام به عبر منحه التقدير الواجب والكرامة المستحقة لخلق روح المبادرة والابداع لديه .
إن أكثر مايؤلم الإنسان هو احتقاره وقهره وقتل روح الابتكار والعطاء لديه ، لذا وجب رد الاعتبار لشباب البلد عبر احترام كرامتهم وذلك بالقطع النهائي مع الفساد والتصدي للمفسدين.


