د. محمد دخيسي أبو أسامة ..سيرة المرأةالحلم في المجموعة القصصية “قطار الحب.. يصل متأخرا” للمبدع عبد الباسط بوشنتوف

تقديم
“أي عقايب أعظم من طفلة تحرِقُ الزمنَ، الحلمَ، فتصيرُ أمّاً”
ارتأيت أن أبدا بالعبارة السابقة من المجموعة القصصية، لأنها مفتاح قراءة المبدع عبد الباسط بوشنتوف، وأقصد قراءته لأني بذلك أحول العمل من قراءة الإبداع إلى قراءة المبدع. ولعل الرؤية المسبقة التي يمكن أن نسلطها على هذا العمل تتخذ سلطتها من فعل السرد المبني على تعدد السارد، وتعدد البطل، لكنه في الحقيقة بطل واحد وسارد قابع وراء المبدع ذاته.
ولعل العبارة ترمز إلى رمز النص، أو النص الغائب في المجموعة القصصية، ذلك أن الحلم المهيمن على المبدع يأخذ جوهره الدلالي من المرأة، ومن الحب بصفة خاصة.
تبدو المقدمة مظللة، لكن بالعودة إلى النصوص يستقر لدينا البعد التمثلي للمرأة في المجموعة القصصية (قطار الحب.. يصل متأخرا)، فتتعدد صور التمثل، لكن الوظيفة الرمزية للمرأة حاضرها بكل تجلياتها.
وقبل البحث في هذه الأبعاد لا بد من الوقوف عند بعض الملاحظات التي بدت لنا من خلال قراءة هذا العمل السردي القصير.
1- ملاحظات لا بد منها
من الملاحظات التي سجلناها ونحن نقرأ المجموعة القصصية (قطار الحب.. يصل متأخرا) نذكر:
– صيغة العنوان التي تحيلنا قسرا إلى المجموعة الشعرية المشتركة بين حسن الأمراني ومحمد علي الرباوي والطاهر دحاني التي صدرت سنة 1973(البريد يصل غدا)؛
– تجنيس المجموعة ب”قصص” دون الإشارة إلى نوعها: أهي قصيرة أم قصيرة جدا؛
– جمع المبدع بين أجناس أدبية مختلفة، فقد كتب “الهلوسة” والشعر التفعيلي خاصة ما اطلعت عليه من خلال نصه “كلمات عبد السلام بوحجر الأخيرة” في الديوان الجماعي “عبد السلام بوحجر في عيون الشعراء” ، وقد استفاد من هذه الخاصية، فكانت مجموعته مزيجا بين اللغة العشرية أحيانا كقوله مثلا:
“أستاذتي فاطمة..
أيتها الغالية
1 – عبد الباسط بوشنتوف: قطار الحب.. يصل متأخرا، مطبعة قرطبة وجدة، ط. 1، 2019، ص. 81.
2- عبد السلام بوحجر في عيون الشعراء، ديوان جماعي، مطبعة الجسور، وجدة، ط. 1، 2019، ص. 30 وما بعدها.
سأقتلني…
ليخفوَ صوت الفؤاد
وأبكيني حتى تجف عيوني
سأنبُش قبري
بكلتا يدي
…وأحثو التراب عليَّ
وأصرخ وسط المقابر
إلى جانب حضور رمزي للسخرية والفكاهة في بعض اللحظات من نصوص المجموعة، دون أن يكون لها أثر واضع في سير السرد بها.
– تعدد إهداءات المجموعة، وهي تشكل تقديمات بأساليب مختلفة، لذلك سنركز على أهميتها من خلال البحث في دلالاتها وإيحاءاتها، فهي:
أولا- أربع عتبات: (إليكِ..- إهداء:- إهداء خاص:- عتبة:) والمعروف أن العنوان يكون مجردا من علامات الترقيم كالنقطة والفاصلة والنقطتين باستثناء طبعا علامة الاستفهام والتعجب، لكن عبد الباسط بوشنتوف أصر أن يجعل نقط حذف في العنوان الأول ونقطتين في العناوين الثلاثة اللاحقة، ونرى أنها دليل على جعلها جزءا من النص المتن، ومن ثمة تكون العتبات الثلاث نصوصا متفرقة بعناوين فرعية؛
ثانيا- الإهداء الأول، يحدد من خلاله:
نوعية المخاطَب: المرأة في مراحل عمرها المختلفة (طفلة، شابة، عجوز)؛
نوعية الخطاب: قصص تعكس الصورة القاتمة للمرأة؛
دلالة العنوان: إشعار للمرأة أن قطار الحب يصل متأخرا، لذلك يحثها على تسريع وتيرة الخطى لتكون جزءا من نصوصه؛
ثالثا- الإهداء الثاني، وهو إهداء عام عاد، يخصه للوالدين والأصدقاء؛
رابعا- إهداء خاص، موجه إلى الزوجة والأبناء الثلاثة، ويركز فيه على ضرورة تملس خطى الكاتب في هذه النصوص، ومن ثمة توجيههم إلى القراءة التأملية،
خامسا- عتبة، وهي بمثابة تقديم يَذكر فيها طقسَ الكتابة وتاريخه، إلى جانب سببِ إصدار عمله دون مقدمةِ قلم مشهور، يقول: “فضلت أن أقدمها لكم مبتورة من كلمة قلم مشهور اعتاد الكتاب أن يزينوا بها إصدارهم الأول..” وهذا طبعا اختيار شخصي للكاتب، بالرغم من زحمة الإهداءات التي كانت مثقِلة على القارئ من ناحية ترتيب أفكارها والبحث عن سبب نزولها؛
– عبد الباسط بوشنتوف: قطار الحب.. يصل متأخرا، ص. 45- 46.
– عبد الباسط بوشنتوف: ص. 5.
عنوان المجموعة هو عنوان القصة الرابعة في المجموعة؛
– الملاحظة الأساس في هذه القراءة أن بحثها في مضمون القصص جعلنا نكتشف اختيار الكاتب قصصه بدقة متناهية، سواءً عن قصد منه أم عن غير قصد طبعا. وهذا الاختيار يحيلنا إلى فرضية أساسية، وهي ما مدى توافق الكتابة القصصية والحالة النفسية للكاتب؟
بمعنى هل لهذه النصوص دافع ثان يجعل الكاتب يختار هذه القصة دون سواها؟ ويجعلها مرتبة بهذا النحو؟
أسئلة طرحتها سلفا، وقراءتي للنصوص جعلتني أكتشف أن هناك ترميزا سريا لترتيب القصص في المجموعة، كما أن المرأة بتجلياتها المختلفة كانت الخيط الرابط بينها. لذلك اخترت أن أشتغل على “سيرة المرأة في المجموعة القصصية “قطار الحب… يصل متأخرا”.
2- سيرة المرأة وتجلياتها في المجموعة القصصية
بداية لا بد من إشارة ذكية من الكاتب ذاته، حين قال في العنبة الأولى “إليك طفلة.. شابة.. عجوزا” ذلك أن قراءة النصوص تجعلنا نكتشف أنه يتعامل مع المرأة من خلال التدرج العمري من جهة، واعتبار الحلم معادلا موضوعيا لها، من خلال إثارة انتباه المتلقي إلى جملة من الإبدالات الخاصة بالحلم.
أولا- المرأة/ الطفلة
تنشأ هذه العلاقة من أول قصة بعنوان (لعبة القدر) حيث الحديث عن الطفولة، بين البطل بصيغة المتكلم المفرد، والبطلة الباتول: “الجالسة هنا وراء حجاب، إزارٌ أسودُ ما كان ليحجُبَ عطرها البلدي، الذي اشتهرت به بين بنات الحي، كانت هي أيضا تجلس بين يديه وتقاسمني نفس الخوف من تلك العصا الطويلة التي لا تفارق يده.”
فالبداية كما أشرنا بدأت مع الطفلة، التي تقاسم البطلَ الحصير في الكُتاب أمام الفقيه، والفقيهُ ذاته تُنسَج حوله حكاياتٌ تجرده من الحكمة الدينية ليكون ابن يهودية مكروهة في الدوار، هي إذا لعبة القدر التي وسمها عبد الباسط بوشنتوف وأرادها لغزا محيرا في بداية عمله.
ثانيا- المرأة/ الشابة
ينتقل بعد ذلك القاص إلى مرحلة عمرية أخرى، بالتحول صوب ربط العلاقة بين الأرض والمرأة، أرض الوطن والمرأة الزوجة التي تختار الانتماء للآخر في ظل النزوح غير المرغوب فيه؛ فتكون قصة (امرأة بين رجلين.. بين وطنين) حيزا آخر للتركيز على المرأة الشابة “يامنة” الموزَّعة بين رجلين، أحدها في المغرب والثاني في الجزائر، في منطقة حدودية لا نكاد نفصل بين حديهما.
– ص. 7
والجميل في هذه القصة اعتماد الكاتب تنوع السرد ولعب أدوار السارد، بمعنى أن النص ذاته يحكيه بروايات مختلفة بالنظر إلى موقف السارد من الحكاية، ومن ثمة يختار موقف “الرؤية مع” التي تجعل السارد عالما بمجريات الحدث وواقفا عند مشاعر أبطالهوأحاسيسِها.
يبدؤها بالسارد الجزائري الذي يخطف عشيقته من خيمة زوجها تاركيْن الرضيع دون ولي أو رقيب، ثم يتحول في المشهد الثاني ليتحدث باسم الزوج الذي اكتشف غدر زوجته بمشاركة عشيقها؛ فنكتشفَ في الأخير سر الجريمة ونهايةَ الحكي بالطلاق.. ونعيش مع الكاتب رحلة الحياة إلى دار البقاء، حيث يستطرد قليلا في حكي عن مشهد لم يرهُ لأنه كان قد فارق الحياة: “كان الجمع غفيرا وكانت يامنة وسطَهم، ولما أدخلوني تلك الحفرة الضيقة وأهالوا علي التراب وجدتها تقف على رأسي، فرحةً بموتي..”
ثالثا- المرأة العجوز
البطلة في هذه القصة “فاطنة” امرأة شابة، لكن الكاتب جعلها عجوزا بالنظر إلى موقفين في حياتها:
الأول: أنها ستكون عروسا لرجل سبعيني؛
الثاني- أنها تهرُب إلى المدينة فتجد امرأة عجوزا في السبعين من عمرها تلتقطها وتأويها في بيتها: “وقبل أن تُزَفَّ لبيت زوجها الطاعن في السن، صَرَّتْ أمتعتها في قطعة ثوب، وأخذت بعض خبز وقليلَ ماء وهربت إلى المدينة، باتت اليوم بطوله تقطع الشوارع والأزقة حتى أحست بالعياء، فجلست على قارعة الطريق تنتظر قدَرها، وقبل غروب الشمس بقليل وجدت يداً مرتعشة تمتد إليها، امرأةٌ عجوزا في عقدها السابع دعتها لبيتها..”
إذاً، فالمرأة بالنسبة لعبد الباسط بوشنتوف قضية، يختار ما يناسبه لتكون محورا دالا على مواقفَ من الحياة والوجود. كما أنه ينبه في كثير من فقرات نصوصه إلى ضرورة الانتباه إلى دورها في الحياة. ويثير ذائقة القارئ أيضا ليؤكد أنها مضطهدة ولم يوفها المجتمع حقها. فإلى جانب العتبات التي كانت واضحة المعالم، وأبرزت هذا الموقف؛ نقف عند نماذج من المتن القصصي:
– يقول في نص بعنوان (فاطنة) على لسان البطلة: “لكن كان ما كان، ولن أُزَفَّ اليوم عروسا لرجل في عِقده السابع، أنا التي ما زلت في عمر الزهور، سأجلس أندب حظي العاثر، ألطم خديَّ اللذين توردا حبا..”
– وقد ورد الحديث عن المرأة القابعة في قرى جنوب المغرب، حيث موطن الكاتب، وحيث العزلة والفقر والهشاشة، يقول عن نموذج منها في قصة (قطار الحب.. يصل متأخرا): “بقريتي تُزوَّج الفتاة مبكِّراً، تقامُ الولائمُ، وتُضرَب الدفوف، وفي للية دُخلتها تُزَفُّ إلى زوجها على ظهر حمار..
جعلها الله لك كالحمارة..”
– ص. 21.
– ص. 27.
– ص. 28.
– ص. 33.
ففي هذه القصة، يمتثل المبدع لسرد رومانسي خفيف، يلتقي فيه بامرأة عبر القطار، لكن القدر يخطفه منها في أو نزول، وقد نبهته إلى تأخره عن البوح، فكان بوحها نهاية للحب، كتأخر التلميذ عن الإفصاح بحبه لأستاذته في نص (بوجمعة).
– في قصة بعنوان (عالَم ضيق لا يتسع إلا لها، أو… طقوس) استطاع بوشنتوف أن يخترق الخيال، ويعبر عن مكنونات الذات العاشقة، والذات المتأملة، والنفس المثقلة بالهواجس، لينهي السرد بومضة عجيبة، يخبر المتلقي بأهمية المزاوجة بين الواقع والخيال، فيجعلَ شهرزاد شخصية تحكي، وتنتقم من شهريار للأبد: “في الليلة الثالثة بعد الألف، قررت شهرزاد أن تُلقيَ بالملك شهريار باليم، أن تخَلِّصه من جسده الميت، ثم جلست ترمُق صفحة الماء الأحمر فإذا بالحياة تتوقف للحظة، ثم تتراجع للماضي وكأنه شريط تتسارع أحداثه من نقطة النهاية إلى نقطة البداية، فلا يَعْلَق بذهنها إلا صورةُ طفلة تأبى أن تنزل من بطن أمها..”
لذلك، فحين نزاوج بين الحقيقة والخيال، فإنما هو ضرب من ضروب الحلم الذي يجعل المرءَ قائما يشاهد حقيقته بنفسه، ويستشرف مستقبلا قد يكون وقد ينتفي. من هذا المنطلق، ارتأنا أن نحاور القصة القصيرة لدى عبد الباسط بوشنتوف في محور يخص المرأة/ الحلم. ما دام الإبداع اكتشافا للمجهول، وغوصا في اللامرئي.
3- المرأة/ الحلم، قطار ينتظر الوصول
نقتصر في هذا المحور على نماذج من قصص عبد الباسط بوشنتوف، لنركز على إبدالات المرأة من خلال جعلها مرادفا لحلم لم ينته، أو حلمٍ لمْ يصل بعدُ بسبب التأخر أو عدم الاستجابة. والحلم في الغالب يكون صورة للواقع غيرِ المحقق، كأن يحلم الإنسان حلمَ يقظة ينتشي بتحقيق السعادة الغائبة، أو الحب المفقود. كما حُلمُ النوم الذي يجعل العقل غيرَ الواعي صورةً للتخيل المنشود.
نعود إلى المجموعة القصصية (قطار الحب.. يصل متأخرا) لنركز على هذه الثنائية، وقد جعلناها مجزأة وفق النصوص المبثوثة ضمنها.
أولا- المرأة/ حلم السفر:
تشكل قصة (قطار الحب.. يصل متأخرا) رمزا لهذه الخاصية، ذلك أن الكاتب يحاور الفتاة التي تقاسمت معه المقصورة في القطار، لكنَّ تأخرَه في الإعراب عن الإعجاب جعل القدر يخطَفُهُ منها؛ فكانت امرأةً بمذاق الحلم الذي لم ينتهِ، ومن ثمة تشكل هذه القصة بؤرة الحكي لدى عبد الباسط بوشنتوف، إذ يلخص حالة الانتظار، وحالة الاعتراف، وحالة التواصل التي يمكن أن تنشأ عنها علاقات إنسانية. لكن تقدير الوقت، وعدم اختيار الفرصة الملائمة للتواصل قد تخلق كثيرا من الإزعاج أو الاضطرابات التواصلية.
ثانيا- المرأة/ حلم القدوة:
أقصد هنا بالقدوة، أعجابَ التلميذ بمدرسه إعجابا قد يصل درجة الحب أحيانا، وإن كانت رمزيته تشير إلى حب الأعلى درجة، وهو الأسوة الحسنة التي يترقبها الطفل في مرحلة التعلم والارتباط بالآخر.
– ص. 83.
حلم بوجمعة تجاوز الحد، فكان تعلقه بالأستاذة دافعا إلى مراسلتها وكتابة خطابات، لكن تأخر قطار الحب وتأخرَ التواصل الفعلي جعل الأستاذة تظن سوءا بالتلميذ الذي لاحظته أمام باب بيتها، فحسِبَتْهُ من يقوم بإزعاجها؛ وكانت النتيجة ضربا مبَرِّحا ناله بعد رجوعه للمدرسة. فتمثل حلمه في تمني قراءة الأستاذةِ الرسالةَ فتتجاوبَ معه، لكم الحلم لم يتحقق فأصبح الانتظار حلا.
ثالثا- المرأة/ الحلم المتحقق
قصة (لا أنثى تمد يدها)، نموذج آخر من نماذج المرأة/ الحلم، لكن في هذه الحالة تستشري المهمة، ويتحول الحلم إلى كابوس يقُضُّ مضجع البطل. يقول في أحد مقاطع النص: “هكذا تخيلتُ صاحبك يقنعك بالذهاب إلى الحي الجامعي، قبل يومين قمتَ من فراشك فَزَعاً، رأيتَ في منامك نعجة تقف على حافة جُرف عميق، تحاول جاهدة أن تنجو من سقوط محتم…” وقد علم أن النعجة في المنام إنما هي امرأة مكسورة القلب والخاطر تنتظر إطلالة من ينقذها من الهلاك.
الحلم تحقق بصورة أخرى، فلم يستطع البطل أن يسلك طريق الوصال مع الفتاة في الحي الجامعي، انتظرته طويلا، لكن القدر جعل أهلها يُقْدمون على تزويجها من معلم الدوار، مر القطار ولم ينتبه البطل لحب الفتاة، كانت رسائله محملة بخبر حزين لم يصل إليها، فانتبه أخيرا أن الحزن يزهر مرة أخرى في شكل الحلم الأول، نعجةٌ تجاهد لإنقاذ نفسها أو البحث عمن ينقذها لكن البطل غائب وغافل.
رابعا- المرأة /حلم القراءة
يتذكر الكاتب على لسان بطله في قصة (عزلة) أحداث علاقة قديمة مرت عليها عشرون سنة، حلم كان بمثابة حقيقة أمام البطل، الذي تعرف إلى الفتاة في المقهى وهي منْكَبة على القراءة لأيام، فانتهت العلاقة بالزواج، لكن قطار الحب دائما متأخر، فالزواج واقع، والحب غائب في حياة الطبل.
تنتهي القصة بحوار بين الطرفين:
“- العِشاء ما زال على النار.. اصبر قليلا
– سأخلُد للفراش إلى أن ينضُج، أحتاج لدقائق من العزلة
– بل تحتاج لمائة عام منها..”
خامسا- المرأة/ حلم الكتابة
يجعل الكاتب أخيرا المرأة رافدا للإبداع، ومحفزا على الكتابة، فيختار عنوان (عالم ضيق لا يتسع إلا لها أو… طقوس) لتكون القصة بمثابة اختيار منهجي لطقوس الكتابة، يحاول من خلالها تلمس طريقة الإبداع انطلاقا من رؤى متخيَّلة، وينفُذُ إلى عوالم السرد من خلال وصف حالة الترقب، وحالة الهذيان، ليصل إلى حالة اختمار
– ص. 49.
– ص. 60.
الفكرة وانبثاقها. ويقع الأمر كله في إطار الحلم المثقل بالهموم. يقول: “قرأت يوما أنه كانت للمصريين القدماء أيضا طقوس لرحلة حياتهم بعد الموت، رحلةٍ في عوالم المجهول محفوفةً بالمخاطر، نهايتها إما فناء أبدي أو البعث مع شروق الشمس، حارَّةً تلفَحُ من وراء زجاج النافذة كل صباح، وقد باغتَكَ النوم فألقيت برأسك المثقلة بأحلام تافهة على الورقة اليتيمة..”
إنها إذاً الأحلام التي تراود الكاتب عن ذاته، وفكره، فتجعل من الحلم طقسا للكتابة، وطقسا لتجلي الآخر/ المرأة، ونحن إذ نقارب هذه الرؤى إنما لنؤكد أخيرا، أن الكتابة لدى عبد الباسط بوشنتوف لا تتوقف عند كونها سردا أو متخيلا سرديا، بقدر ما يَنتُج النص الفكرةَ، ويختار الكاتب أن تكون الفكرة موقفا، أو حالة شعورية تتجاوب والأخرَ/ الأنثى في مختلف تجلياتها، وفي مختلف أعمارها.
ويقف الكاتب حتما في باقي النصوص لاهثا وراء الحلم، ليتحقق حينا، لكنه يبقى دون حسن الظن بالوقت اللازم قدومُه، فالتأخر سمته، والانتظار دأبه، يقول في آخر نص بعنوان (الشارة الخضراء)، وهو يرمز إلى الحضور الافتراضي، أو العلامة الدالة على الاتصال عبر مواقع التواصل: “تظهرين حينا وتختفين حينا آخر، ومع هذا الظهور والأفول كنتُ أحيا وأموت، وكلَّ ليلة، أُبعَث من مرقدي لاهثا أبحث عنك، وسط تلك الزرقة، وعيناي تهفوان لطَلَّتِكِ، تشتاقان لنورِك الذي يقذف في قلبي الدفء، وحين قررت أن أكتب لك.. وجدت الكلمات تختبئ وراء أناملي، وتنتحر على شفتي..”
نص أعتبره تلخيصا لفكرة المجموعة القصصية، والكاتب يحاول من خلاله أن يؤكد على فعلين أساسين:
أولهما: أن المرأة هي المخلوق/ الحلم الذي ينتاب بطله، ويحرك أحاسيسه ويدفعه للكتابة؛
ثانيهما: أن السرد لدى الكاتب ليس مجرد حكي متخيل، بل أعتبره سردا منطلقا من الفكرة، أو بمعنى أصح القصة الفكرة والموقف الفكري الذي يؤثث من خلاله الكاتب نصوصه، ويجعله قادرا على التوقف عند أهم القضايا المثارة حاليا، سواء ما تعلق بالعلاقات الاجتماعية العادية أم العلاقات التواصلية في إطار مواقع افتراضية تركت وابلها الطَّلَّ على الباعث والمستقبل، وكانت الأحلام الرافد الأول والأخير لتشكيل العلاقة بين أبطال النص، أو البطلِ الواحد بصيغة الجمع، مع المرأة بمختلف تجلياتها.
وجدة في 13- 02- 2020
– ص. 78.
– ص. 88.


