قصة قصيرة ..”خيوط مارلين” لـ عبدالله أعدي

مع أنسجة شعاع شمس الفجر المتسللة عبر مسامات النوافذ، يستيقظ على صوت المنبّه المزعج، وكأنه يتساءل باستنكار هامس بينه وبين نفسه: أيوجد فعلا رنين منبه مطرِب؟.. فكل صوت يكسر في الإنسان ذلك الإحساس الجميل بالموت يصبح مضجِرا ولو كان مقطعا من سمفونية أنشودة الفرح لبيتهوفن، ينهض بعد مفاوضات ذاتية حسمها الرنين الثاني للمنبه..
داخل شقته الفخمة يحضِّر فنجان قهوته المعتاد، ويرتدي بذلة العمل الأنيقة للتوجه إلى شركة يديرها بعد موافقة مجلس الإدارة على ترقيته لهذا المنصب الراقي في الشهر المنصرم، وبهذا سيكون أول شاب ثلاثيني يجلس على عرش هذه المؤسسة العظيمة..
في طريقه للشغل، يمر الشاب الثلاثيني على الكتبي ليقتني جرائده التي واضب على قراءتها كل صباح منذ كان طالبا أيام الجامعة.. يترجّل من سيارته الفارهة، بكامل أناقته لينتقي أعداد اليوم من الصحف، والكتبي الصامت غارق في شرود صوفي بين رواياته، هذا الأخير رجل ملتح نحيف البنية وأشعث الشعر، يعتلي الغموض وجهه، يسترزق من مبيعات الجرائد والمجلات بعدما باتت مقروئية المؤلفات من الكتب والروايات ضعيفة.. يكدسها داخل محل البيع على رفوف خشبية هشة وعلى الأرضية تصطف أكوام مزدحمة من المؤلفات.. يقضي معظم وقته هناك بين الأوراق، ويخرج نادرا لِعيّنة من زبنائه الأوفياء، و هم معدودون على رؤوس الأصابع، ومن بينهم الشاب مدير الشركة.. والذي يحاول دوما الدردشة مع الكتبي البوهيمي ولا ينال غير صمت أو بضع كلمات مقتضبة في أحسن الأحوال، ثم يعود توّا إلى معبده لالتهام رواية بغلافها المهترئ، حاول الشاب استراق العنوان، لكن الغلاف كان أسود اللون، فتحها الكتبي وملامح الاستغراب بادية على وجهه، فقط هو يجعل من لحظة البيع فاصلا كي يعاود الغوص لتتمة القراءة.. 
يهم الشاب الثلاثيني راجعا إلى سيارته ليركبها ويلمح جانبا على رصيف الشارع ذلك المتشرد الأحمق يكلم نفسه بكلام غير مفهوم، يدندن بترانيم ملتبسة، حافي القدمين وبملابسه الرثة يفترش الأرض وفي يديه قطعة منديل يستعملها لشم السوائل المخدرة للعقل، والرائحة من حوله تزكم الأنوف.. وكأنها لوحة بشعة فشِلت ريشة الأقدار في رسمها، غير أنها تحتفظ بشيء جميل يميط اللثام عن هذا القبح، إنها صورة كبيرة للممثلة والمغنية مارلين مونرو بالأبيض والأسود.. يخرجها ملفوفة من جيبه، يفتحها بعناية ويتسمر بنظره عليها، هنا شرعت دمعته بالانهمار ماسحة طريقها على وجه المتشرد ذي الندوب.. لتتقاطر على الصورة الكبيرة للشقراء مارلين.. يشغّل الشاب الثلاثين محرك السيارة باندهاش، يمضي تاركا وراءه مشهدا يقبض أوتار الفؤاد…
يلج الشاب الثلاثيني بسيارته الباب الرئيسي للشركة وكله فرح.. إضافة إلى منصبه المستجد فهناك سبب آخر يجعل جوارحه ترقص شغفا، إنها “صفية” المتدربة عنده في الشركة، فتاة عشرينية، حليبية المحيا إلا من خال على الوجنة فوق الشفاه الحمراء، شقراء خجولة.. الجميع هنا يحب مناداتها بمارلين مونرو لقوة الشبه بينهما، وكل الأعين تتربص بها، ولكن الآن سيقرر دعوتها إلى الغابة المتاخمة لبلدتهما عساهما يستفردان بنسيم هوائها، وجمال خضرتها..
وبكل ثقة تشجع وبادر لدعوتها عشية اليوم بعد نهاية العمل، وافقت بتردد صاحَبه احمرار طفولي على وجنتيها..
وانطلقا بالسيارة، وأمام اشجار الأرز الكثيفة ترجلا.. وصمت العاشقين يسدل ستاره على المشهد..إنه سحر البدايات المتوهج حيث العيون تتلألأ مع كل اتصال بصري، وبُعَيد قطعهم لمسافة ليست بالقصيرة اقتربا من مغارة تنتصب على هضبة صغيرة وتطل على الغابة، وفجأة عم الصمت، وصمّت الغربان عن نعيقها، فافترشا سجادا مزركشا أمازيغي الصنع.. 
وقفت الشابة بكل فضول كي تقترب من المغارة المخيفة.. أغراها السواد الذي تكتنزه، وبعدما باحت له بصوتها الشجي، وقررت أن تغني من هناك بعيدا قليلا من الشاب لتخفي الخجل الذي يحيط بها.. وظلت تدنو من المغارة رافعة صوتها وأخرست الغابة من كل الأصوات.. 
“يا له من صوت أوپيرالي..” هكذا همست فرائسه، وتمادت في تعذيب أحبال حنجرتها بأعلى صوت والصدى القادم من المغارة يحتل الفضاء.. ومع آخر مواويلها أرعدت السماء، وصعق البرق كنيزك يسقط على المغارة، واختفت صفية الشقراء إلى الأبد بين متاهات السواد…
مر شهر على الحادث الغريب، وخبر اختفاء صفية لازال على الورقة ملتصقا بباب محل الكتبي.. بينما المتشرد قبالته يتوسد صورته البديعة، وتزامن ذاك اليوم مع إنهاء الكتبي قراءته لروايته ذات الغلاف الأسود.. أغلق عليه الباب وأشعل شمعة، نظر إلى السقف وتوشح حبل مشنقة معقود بعناية.. ظل واقفا على كتبه التي صنع منها كرسيا صغيرا وقام بهدم ذلك الحائط الصغير من الكتب.. فأزهق روحه بكل برودة.. وانتحر داخل حدائقه السرية..
فقد أنهى تلك الرواية العجيبة التي تتحدث عن شاب ثلاثيني كان ذا منصب محترم جن جنونه بعد فقدانه لحبيبته الشقراء قرب المغارة العجائبية وسط الغابة.. وفي الرواية تقول تفاصيل الشاب أنه اختلّت إدراكاته بعد صدمة الاختفاء وغدا متشردا حاملا لصورة الفنانة مارلين مونرو.. هنا يتجول بها بين الأزقة، ويردد آخر مواويل حبيبته المختفية قرب المغارة الغريبة..

شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...