سعيد الكحل يكتب:هل ستفعّلُ الحكومةُ التوجيهاتِ الملكية لصالح مغاربة العالم؟

تميز الخطاب الملكي، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2022، بالتركيز على موضوعين رئيسيين ومتداخلين: الوحدة الترابية والوحدة الوطنية. فإذا كانت الوحدة الترابية تلقى مزيدا من الدعم والتأييد من طرف الدول الشقيقة والصديقة من مختلف القارات، بفضل عدالتها وجدّية مقترح الحكم الذاتي ومصداقيته، فإن الوحدة الوطنية تتطلب من الحكومة تذليل كل العقبات وإزالة كل العراقيل أمام إدماج نحو خمسة ملايين من مغاربة العالم، بالإضافة إلى مئات الألاف من اليهود المغاربة، في النسيج الاقتصادي والاجتماعي والتنموي. ذلك أن الارتباط القوي للجالية المغربية بوطنها لا توازيه الإجراءات الحكومية الضرورية لفائدتها. وهذا الذي شدد عليه الخطاب الملكي بسلسلة من الأسئلة التي على الحكومة الإجابة عنها عمليا: (ماذا وفرنا لهم لتوطيد هذا الارتباط بالوطن؟ وهل الإطار التشريعي، والسياسات العمومية، تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتهم؟ وهل المساطر الإدارية تتناسب مع ظروفهم وهل وفرنا لهم التأطير الديني والتربوي اللازم؟ وهل خصصنا لهم المواكبة اللازمة، والظروف المناسبة، لنجاح مشاريعهم الاستثمارية؟).

إن الخطاب الملكي واضح في اعتبار الوحدة الوطنية أساس الدفاع عن الوحدة الترابية وحمايتها. لهذا وجبت تقوية الجبهة الداخلية بالتعبئة الشاملة لكل المغاربة “يبقى حجر الزاوية في الدفاع عن مغربية الصحراء هو وحدة الجبهة الداخلية والتعبئة الشاملة لكل المغاربة، أينما كانوا، للتصدي لمناورات الأعداء”.

لقد أضاعت الحكومات ما يكفي من الوقت ومن الجهد دون تحقيق تطلعات الجالية المغربية إلى إدارة فعالة، وقضاء نزيه، وتشريعات تساير تلك التي ألفوها في بلاد الإقامة. فالكثير من مغاربة العالم، كما جاء في الخطاب الملكي، “ما زالوا يواجهون العديد من العراقيل والصعوبات، لقضاء أغراضهم الإدارية، أو إطلاق مشاريعهم. وهو ما يتعين معالجته”. وغني عن البيان أن مغاربة العالم يمثلون قوة اقتصادية مهمة للمغرب، بحيث تلعب تحويلاتهم ، حسب وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة المالية السابق، محمد بنشعبون، دورًا مهمًا في تعزيز مكانة المغرب الخارجية، إذ مثلت 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط خلال السنوات الخمس (2017ـ 2021) وغطت حوالي 35٪ من العجز التجاري (بلغت التحويلات خلال 2021 سبعة مليار دولار، وهو ما يشكل، حسب تقارير رسمية مغربية وأوروبية، حوالي 10 في المائة من الناتج الوطني الإجمالي). وإلى جانب هذه الجهود المالية لمغاربة العالم، فإنهم يبذلون جهودا مماثلة دفاعا عن “الوحدة الترابية من مختلف المنابر والمواقع التي يتواجدون بها”، خصوصا الدور المهم الذي يلعبه اليهود المغاربة في المنتديات الدولية وما يمارسونه من تأثير على صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي أثمر، بالتكامل مع الجهود الدبلوماسية المغربية، الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية. الأمر الذي قلَب كل حسابات أعداء الوحدة الترابية وقوّى مركز المغرب ودوره الإقليمي. كما تزخر الجالية المغربية بالكفاءات والخبرات التي يحتاجها المغرب في بناء اقتصاد قوي قادر على المنافسة وجلب الاستثمارات. إلا أن العراقيل الإدارية وضعف التشريعات القانونية تشكل عوائق حقيقية في وجه مستثمري مغاربة العالم. إذ لا يكفّ هؤلاء عن طرح إشكالية الاستثمار في المغرب وضرورة إيجاد حلول ناجعة لها. فالمبادرات التي قدمتها الحكومات المغربية في سبيل تشجيع الاستثمار ظلت آثارها محدودة على مستوى المساطر الإدارية، الرخص، الضرائب، التمويل، الحماية القانونية، التوجيه والتأطير والمرافقة وتوفير الدراسات التقنية والوعاء العقاري والبنيات التحتية، خاصة في المناطق النائية. غياب هذه الإجراءات والحوافز يجعل مغاربة العالم يفضلون الاستثمار أساسا في قطاع العقار الذي حاز لوحده، حسب وزير الاقتصاد والمالية السابق، حصة الأسد من هذه الاستثمارات بـ41 في المائة من مجموع التحويلات، في حين لم تتجاوز الاستثمارات في المجالات الاقتصادية المنتجة نسبة 14 في المائة.

إلا أن المعضلة التي يعاني منها هؤلاء المستثمرون هي ضعف التشريعات القضائية وعجزها عن حماية حقوقهم في استرداد عقاراتهم أو إفراغها من المكترين (توجد 200 ألف قضية رفعها العمال المغاربة والمستثمرون من الجالية المقيمة بالخارج أمام المحاكم). وهذا بحد ذاته رقم مهول ومنفّر للمستثمرين الراغبين في دخول السوق المغربية.

يضاف إلى هذه المشاكل إشكالية أخطر وهي السطو على العقارات التي كانت موضوع الرسالة الملكية الموجهة إلى وزير العدل والحريات بتاريخ 30 دجنبر 2016، والتي شدد فيها جلالته على خطورة الظاهرة كالتالي:” فقد أصبح الاستيلاء على عقارات الغير ممارسة متكررة يدل عليه عدد القضايا المعروضة على المحاكم آو تعدد الشكاوى المقدمة حولها والأخبار المتواترة التي توردها الصحافة بشأنها، وأضحى يجسد وجود ظاهرة خطيرة تتفشى بشكل كبير وتستدعي التدخل الفوري والحازم لها تفاديا ما قد ينجم عنها من انعكاسات سلبية على حق الملكية”. هذه الجرائم تستوجب وضع تدابير تشريعية وتنظيمية عاجلة، في مقدمتها إيجاد آلية قانونية لتسريع الأحكام وتنفيذها، استحداث قسم قضائي متخصص في المنازعات العقارية خاص بالقضايا التي يرفعها أعضاء الجالية المغربية، ثم تبسيط المساطر القضائية حتى تتناسب مع قصر مدة العطلة التي يقضونها بالمغرب. ولعل تشديد جلالة الملك على خطورة الظاهرة يدل على محدودية الإجراءات التي تم اتخاذها، ومنها اللجنة التي تم الإعلان عن تشكيلها في فبراير 2017، والتي تضم ممثلين عن القطاعات الحكومية والمهن القانونية والقضائية، بغية التصدي الفوري والحازم لأفعال الاستيلاء على عقارات الغير.

لا شك أن الاهتمام بمغاربة العالم، لا يقتصر فقط على تحسين شروط العودة لوطنهم أو تبسيط المساطر الإدارية أمامهم، بل يشمل كذلك ظروف إقامتهم بالمهجر وما تقتضيه من عناية بمشاكلهم الإدارية مع القنصليات، وحماية أمنهم الروحي من التطرف الديني والتشيع المذهبي الذي باتت الجالية المغربية ضحيته في عدد من الدول الأوربية (بلجيكا نموذجا) بسبب ضعف التأطير الديني من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. ذلك أن الجالية المغربية بأوروبا باتت مستهدفة من طرف التيار السلفي المتطرف وكذا التيار الشيعي الموالي لإيران، لدرجة أنهما أحدثا انقساما خطيرا بين مغاربة شيعيين ومغاربة سنيين، ترتب عنه إحراق مسجد الرضى في مارس 2012، وهو أحد أبرز مساجد الشيعة المغاربة، ثم مقتل الإمام المغربي عبد الله دحدوح على يد مغربي سلفي متطرف يدعى راشد البخاري.

إن الحكومة ملزمة، إذن، بإيجاد آلية فعالة “مهمتها مواكبة الكفاءات والمواهب المغربية بالخارج، ودعم مبادراتها ومشاريعها” تنفيذا للتوجيهات الملكية وللتوصيات العامة الواردة في تقرير لجنة النموذج التنموي.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...