المسرح انطلق ..لكي ينتشر وينشر جناحيه عبر امتداد العصور والأزمنة ..وأن يرفرف في دواخل الإنسانية ..وأن يعطي مفهوم/مفاهيم التعدد والاختلاف والرغبة في التغيير وخلق البديل جماليًا وسياسيًا واجتماعيًا وكذا ثقافيًا ..

المسرح هو حق للجميع ..حق يراد به الانفتاح على الكل ..بدون تفرقة من اَي نوع ..ايديولوجية كانت او اجتماعية أو طبقية او عرقية ..او دينية ..المسرح هو حق لكل من يرغب في أن يدخل الضوء من نافذته لبيته ..يضيء حلكة الأيام الطويلة التي لم تتعرض مخيلتك لشمس أو نبراس يرشدك لطريق هو بمثابة هواء نقي يظهر حجراتك المليئة بغبار الماضي ..وبقذارته ..وبشكل وحجم الميكروبات التي تتغلغل في دولاب التعصب ..
المسرح ليس حكرًا على طبقة دون الأخرى أو بلد دون ٱخر أو جنسية دون أخرى أو دين دون ٱخر …فالمسرح ترعرع في قلب الديانات ، ولنرجع للوراء لماضي المسرح المجيد ونطل على بداية المسرح بحسب آراء المؤرخين ونقاد المسرح ونكتشف جميعا أن المسرح ظهر جنبا الى جنب مع الأعياد والطقوس الدينية والاحتفالات التي رافقت ذلك وبالأخص الاحتفاء بالإله باخوس ( إله النماء والعنب والخمر ) حيث يحتفل الجميع مرتين في السنة رقصا وغناء واستعراضًا ..فمرة يمرحون في شكل كوميديا ومرة يحزنون ويبكون ويبتهلون من اجل ان يزودهم االاههم بموسم خصب ..وكان هذا هو الشق التراجيدي كما عرف آنذاك ومما الفت حوله العديد من الأعمال الخالدة وظهرت أسماء كبيرة تفننت في تقديم عروضها شعرا ورقصًا …الخ
من هنا ، المسرح انطلق ..لكي ينتشر وينشر جناحيه عبر امتداد العصور والأزمنة ..وأن يرفرف في دواخل الإنسانية ..وأن يعطي مفهوم/مفاهيم التعدد والاختلاف والرغبة في التغيير وخلق البديل جماليًا وسياسيًا واجتماعيًا وكذا ثقافيًا ..
ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نخندق المسرح في قالب محدد وأن نسجنه في داخل ايديولوجية معينة أو نأطره بإطار حزبي أو إداري أو عرقي أو غيره من قوالب تمييع المسرح إبداعيا و تكبيل رسالته في ان يكون انسانيا و كونيا.
لا يمكن أن نرفع شعار المسرح لنا أو المسرح لكم ..أو غيرها من الشعارات الجوفاء التي تقتل كنه وماهية المسرح في شكله الفلسفي .
المسرح للجميع ..لكل من يرغب في فهم ذاته والتغلب على أعطابه ..وتحدي فشله ..والدخول في مغامرة إثبات الذات وتغيير وضعيته وتطويرها ..وتسخيرها لخدمة الاخر ..هو نقطة ارتكاز مهمة لشحذ الهمم ..وتطهير النفوس ..واستبدال الشر بالخير والقبيح بالجميل ..والحزين بالسعيد (..)
إنه فعل ممتد الى الإمام ..ينظر الى المستقبل في خط تصاعدي ..يوجه الفرد والمجتمع ، الى الحقيقة ..ويقف على مؤشرات النماء ..به نناجي المضمون قبل الشكل وبه نحارب الفراغ بالامتلاء والظلام بالنور ..
نسعى للم الأسرة الواحدة ( وإن اختلفت توجهاتها وأفكارها ومشاربها ) في مائدة الحوار ..نسمع ..نناقش ..نرفض ..نصمت ..نثور ..نبكي..نضحك ..نتجادل ولكن في طبق حضاري راقي جميل فيه لذة لا مثيل لها ..
الحياة في شكل الأحادي منوطونية ..باردة ..غير ذي جدوى ..لا تشكل أبدا مستوى من المعرفة والثقافة الخصبة تجدها عاقم لا تنتج الى الظلم والاستبداد والخوف والرهبة
وعدم الاستمتاع باللذة ..تبقى حبيسة فكر واحد وراي واحد وخيال ميت ..
إن المجتمعات التي تعيش على عقلية الحزب الواحد والثقافة الوحيدة والرأي الديكتاتوري الذي لا يناقش الٱخر هي مجتمعات ميتة في مجملها ..تعتمد على سياسة الاستحواذ في كل شيء وتبقى جامدة في زمنها لا تتطور وتدور في حلق مفرغ ..كأنها في بركة ماء عكرة ..تعتقد ان البركة بماءها حمام نظافة ، ولكنها في وحل قاذورات العقل المنغلق على رؤية ضيقة .
لقد واجه المسرح أنواعا كثيرة من عقليات مختلفة التفكير ..وتصدى لكل محاولات الاغتيال التي اصابته على مر العصور والأزمنة ..وحارب بالكلمة والنغمة والاداء الجيد جسدًا وصوتًا و قاوم بالجمال خبث النياث السيئة ..
مر من اليونان الى الإنجليز الى فرنسا وألمانيا ..عبر حدود رومانيًا وإيطاليا ..استوطن روسيا وبلدان اسكنندنافيا ..تسرب الى اسبانيا ومصر ولبنان ونزل غيثا على المغرب وبلدان المغرب العربي ..وارتحل في كل بقعة في أفريقيا ..
إنه كالدم في الجسد ..لا يتوقف أبدا عن الدوران ..تجده في كل مكان ..ولا أحد ولا داء ولا أداة تستطيع أن تحد من عزمه في الاستمرار ..
المسرح فينا ..بداخلنا ..نسموا معه ويسموا معنا..وهو حق لنا وحقه فينا ..ولا احد يستطيع أن يأخذه منا أو ينتزع فعله في دواخلنا ..هو ربح لنا ونحن ربح له ..نعيش معًا دوما ..نستمر جنبا لجنب ..نغير ونتغير..نبني معا أسس مجتمع حديث يكون فيه الكل مؤمنًا بحق الثقافة والإبداع والمسرح على وجه خاص في أن يكون شعارا للجميع .


