احتجاجات جيل Z، تعبر واقعيا عن أزمة حقيقية في تأطير شبابنا، وهي في العمق تعكس أزمة نموذج تنموي وسياسي فشل في كسب رهان الإدماج للفئة الأكثر حيوية في المجتمع.
جيل “Z” هم الشباب الذين ازدادوا ما بين 1995 و2010 ، ما يعني ان أعمار أفراد هذا الجيل تتراوح بين 14 و 30 سنة، ومن ثم فإن الاحتجاجات التي نعيشها اليوم تساؤل بشكل مباشر المؤسسات الرسمية والهيئات السياسية والمدينة المعنية بتأطير الشباب. هنا سأركز على وزارة الشباب على أن أتطرق في جزء لاحق على للمؤسسات السياسية والجمعوية.
يعتبر قطاع الشباب السلطة الحكومية الموكول إليها وضع وتنفيذ السياسات العمومية في هذا المجال، سياسة من شأنها أن تساهم في تأطير هذه الفئة الشابة والحيوية داخل المجتمع، وتوفير برامج ومبادرات لتنشئة الشباب على قيم الديمقراطية والمواطنة والانتماء والتطوع والمشاركة الإيجابية، وتطوير قدراته وتمكينة من فضاءات مناسبة لتفجير طاقاته في مجالات الرياضة والثقافة والابداع والفن وتيسير إدماجه السوسيو تربوي وتقوية مساهمته في الحياة العامة.
وزارة الشباب هي قطاع استراتيجي لا يمكنه أن يدبر بإجراءات تقنوية وبيروقراطية، إنه قطاع يحتاج الى نفس سياسي وإلى رؤية عرضانية وإلى عرض شبابي مغاير، قادر على مقاربة هذه الفئة المختلفة في أفكارها وسلوكها وتطلعاتها وتمثلها لذاتها وللحياة…رؤية قادرة على تثمين هذا الإمكان البشري وتحويله إلى قوة محركة وفاعلة في كل المبادرات المجتمعية.
وحده محمد الكحص، استطاع خلال إشرافه على كتابة الدولة في الشباب أن يمنح لهذا القطاع، رغم ضعف الامكانيات، تصورا ورؤية جديدة من خلال مبادرات الجامعات الشعبية”، “العطلة للجميع”، “زمن الكتاب”، “مسرح الشباب”، “أندية وأوراش سينما الشباب”، “الكتاب على الشاطئ”، “المخيمات اللغوية”، دون أن ننسى “المركز الوطني للإعلام والتوثيق للشباب”، ومعه “المشروع التطوعي” وكذا “بطاقة الشباب” وهي مبادرات جعلت القطاع في صلب اهتمامات شباب تلك الفترة المنتمين لجيل Y.
اليوم تحولت وزارة الشباب الى قطاع بدون بوصلة، وتحولت مؤسساته إلى فضاءات بدون هوية ولا وظائف، قطاع لم يعد قادرا على مواكبة الجيل الرقمي، الجيل الذي تماهى مع الواقع الافتراضي بإيجابياته، والكثير من سلبياته، دون أن يتم تحصينه من تأثيرات الفضاء الرقمي وتمنيعه بالقيم الاجتماعية والوطنية الضرورية لبناء جيل واع، مؤٓطر، مسؤول، مدافع عن حقوقه وواع بمسؤولياته.
اليوم، بالإضافة إلى مطالب الصحة والتعليم والتشغيل، نحن بحاجة إلى مؤسسات وفضاءات عمومية لاحتضان الشباب وتأطيره رياضيا وثقافيا وفنيا واجتماعيا ورقميا… فضاءات مرنة، سهلة الولوج، مستجيبة لحاجياته و ومُيسرة لمشاركته.
نحن بحاجة اليوم إلى محاضن جديدة للتنشئة الاجتماعية، قادرة على منافسة التنشئة الرقمية التي انتجت لنا جيلا مضطرب هوياتيا… جيل متصل افتراضيا لكنه غير متواصل واقعيا، ومنفصل عن القيم الأساسية والضرورة لبناء جيل يساهم في التنمية.
إن احتجاجات جيل Z، تعبر واقعيا عن أزمة حقيقية في تأطير شبابنا، وهي في العمق تعكس أزمة نموذج تنموي وسياسي فشل في كسب رهان الإدماج للفئة الأكثر حيوية في المجتمع.
الخطير أن العواقب المترتبة على هذا الفشل المتعدد الأبعاد، ليست مجرد آثار هامشية، بل تهديدات استراتيجية للاستقرار والأمن ومستقبل الوطن.
يتبع


