عبد الكريم التيال يكتب ..العرس الإفريقي بالمغرب: حين يُجمع الاعلام على النجاح، ويسقط ”التسييس” في امتحان الرياضة

المنافسات الرياضية، في جوهرها، وُجدت لتكون فرصة لطي الخلافات لا لتغذيتها، ولتقريب الشعوب لا لتعميق القطيعة بينها. الإعلام الرياضي، أيًا كانت خلفيته الوطنية أو السياسية، يظل ملتزمًا أخلاقيًا بالحياد والموضوعية

منذ لحظة الافتتاح، لم يكن العرس الإفريقي الذي يحتضنه المغرب مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل حدثًا رمزيًا مكثف الدلالات، اختار أن يفتتح برسائل عميقة تعكس تنوع الهوية المغربية وامتدادها الإفريقي الضارب في اعماق التاريخ. لوحات فنية مزجت الأمازيغي بالعربي، والإفريقي بالأندلسي، في سرد بصري يؤكد أن المغرب لم يكن يومًا على هامش القارة، بل في قلبها، فاعلًا ومتفاعلًا، بعمق حضاري لا يحتاج إلى إثبات.

هذا الافتتاح لم يمر مرور الكرام على وسائل الإعلام الدولية، التي تكلفت بتقاسم الصوت والصورة مع مختلف ارجاء العالم، على اختلاف مرجعياتها، والتي اجمعت على الإشادة بحسن التنظيم، ودقة الإعداد، والاحترافية العالية التي ميزت مختلف تفاصيل الحدث. تفاعل اعلامي بارز، عبّر عن إعجاب بانفتاح المغاربة على الثقافات الإنسانية، وبالدفء الذي استقبلت به الجماهير المغربية ضيوفها، في صورة تختزل روح المغرب المعتز بعمقه الافريقي والمتطلع إلى مستقبل أفضل لشعوب القارة السمراء.

لقد نجح المغرب، مرة أخرى، في تقديم نموذج يُزاوج بين الصرامة التنظيمية والكرم الإنساني، بين الحداثة والبساطة، وهو ما جعل التغطيات الإعلامية الدولية تتحدث عن “تجربة إفريقية ناجحة” لا عن مجرد بطولة. تجربة تعيد الاعتبار لقدرة القارة السمراء على تنظيم تظاهرات كبرى بمعايير عالمية، بعيدًا عن الصور النمطية التي طالما التصقت بها.

غير أن هذا الإجماع الإعلامي الواسع لم يكن شاملًا، إذ اختارت بعض وسائل الإعلام الجزائرية أن تسبح عكس التيار، مستمرة في قراءة الحدث الرياضي من زاوية سياسية ضيقة، وكأنها لا تزال أسيرة إيقاعات القرار الأممي 2797، عاجزة عن الفصل بين منطق الرياضة ومنطق الخلافات السياسية. تغطيات بدت نشازًا وسط سمفونيات إفريقية تحتفي بالإنجاز والفرح المشترك.

وهنا، لا بد من التذكير بأن المنافسات الرياضية، في جوهرها، وُجدت لتكون فرصة لطي الخلافات لا لتغذيتها، ولتقريب الشعوب لا لتعميق القطيعة بينها. الإعلام الرياضي، أيًا كانت خلفيته الوطنية أو السياسية، يظل ملتزمًا أخلاقيًا بالحياد والموضوعية، وبالارتقاء بالخطاب بدل الانزلاق إلى التوظيف الضيق.

إن هذه التظاهرات القارية تشكل مناسبة سانحة لإبراز التفوق الرياضي الإفريقي، ولتقديم منتوج إعلامي يليق بالقارة السمراء، قادر على منافسة كبريات التغطيات العالمية، ويعكس نضج إفريقيا وقدرتها على سرد قصتها بنفسها، دون وصاية أو تشويه.

لقد اختار المغرب أن يجعل من هذا العرس الإفريقي رسالة مفتوحة: رسالة وحدة، وانتماء، وثقة في إفريقيا. ومن أراد أن يسمعها، سمعها بوضوح… أما من آثر الضجيج، فسيبقى خارج إيقاع الفرح القاري.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...