ذ كريم الصامتي في قراءة نقدية للمنجز الشعري الزجلي للأستاذ مصطفى العبريدي قصيدة “هوايش الحال” نموذجا
ننطلق من عتبة العنوان الذي يوشي باننا سندخل رحبة الحضرة أو الجذبة وهو مقام عرفاني مقام التجلي الصوفي ليس في سياق ارتباطه بمرجعيته المعروفة ولكن في إحالته على النيرفانا كحالة وتجربة وجدانية إنسانية مشتركة. فالهوايش هي لحظة انكشاف وظهور حالة الذات في فورانها الداخلي فالهوايش هي قمة جبل الجليد المنبلجة على سطح البحر قاعدته وجزئه العميق والواسع هو الحال مغروس في عمق اليم/الذات، فالهوايش هي لحظة الوشاية باللاوعي الذي يصارع ما يموج ويروج متخفيا منسيا مقصيا منفيا داخل هذه الذات.

يعبر الزجال المغربي الأستاذ مصطفى العبريدي من خلال كتاباته الزجلية وبالخصوص من خلال قصيدته قيد التحليل، عن تجربة أنطولوجية/وجودية اتخذت من معاول الدهشة عتلاء للحفر في ماهية الذات/ذات الزجال، بلسان مغربي دارج يستقي مفرداته من المطمور في الموروث الثقافي الشعبي المغربي، بكثير من الشجاعة الأدبية على اعتبار ان هذا الأمر ليس متيسرا لكثير من شعراء قصيدة الزجل، لأن الصورة البلاغية والفنية في هذا النوع من الاختيار قد تحتاج إلى جهد جهيد لاستبيان المعاني وكثير من التأويل الدلالي للامساك بالرموز المرجعية والخلفيات الثقافية التي تأسست عليها، ما يجعل قصائد الاستاذ العبريدي عموما مشتلا لإنبات براعم وأغصان جديدة تجعل المتلقي يسقط على نفسه تجربة إنسانية جديدة من خلال إعادته للاستماع أو تكرار قراءة منجز الشاعر الزجال، فيشعر بكونه يسبح في نفس النهر لأول مرة نظرا للجريان المستمر للمعاني في القصائد، هذا النوع من الشاعرية ينسجم مع طبيعة التغير الدائم الذي يكتنف وعينا بالحياة وما تستدعيه من تقلبات في الرؤى والأفكار والأحكام والانطباع.
رغم هذا العمق في القصائد فإن المتلقي يستشعر لذة الامتاع وقوة الاقناع النفسي وكأنه يعيش عملية التطهير أو التنفيس الوجداني أو ما سماه أرسطو catharsis، بحث ان قصائد الشاعر تلتصق بآلام الإنسان البسيط الذي ينتعل هموم ومعاناة ومشاعر حارقة أحيانا ودافئة في أحايين أخرى.
ووقوفا عند قصيدة ” هوايش الحال” يمكن أن نرصد بعض الأبعاد الفنية والتعبيرية والدلالية التي تفصح عن تجربة شعرية مائزة داخل المتن الزجلي المغربي.
وننطلق من عتبة العنوان الذي يوشي باننا سندخل رحبة الحضرة أو الجذبة وهو مقام عرفاني مقام التجلي الصوفي ليس في سياق ارتباطه بمرجعيته المعروفة ولكن في إحالته على النيرفانا كحالة وتجربة وجدانية إنسانية مشتركة. فالهوايش هي لحظة انكشاف وظهور حالة الذات في فورانها الداخلي فالهوايش هي قمة جبل الجليد المنبلجة على سطح البحر قاعدته وجزئه العميق والواسع هو الحال مغروس في عمق اليم/الذات، فالهوايش هي لحظة الوشاية باللاوعي الذي يصارع ما يموج ويروج متخفيا منسيا مقصيا منفيا داخل هذه الذات.
قصيدة هوايش الحال من خلال اللغة سلمت الشاعر مفاتيح الكشف لإجلاء المعاني من خلال حياكة الاحتراق والانفعال بخيوط من حروف وكلمات وعبارات توسل بها الشاعر بغية البحث عن “الخلاص” خلاص للروح من الحيرة التي تعتملها، بسلك طريق روحاني/صوفي كان المنفذ للانعتاق من براثين التيه الداخلي جاعلا اللغة مسكنه ومستقره بدل ما يختاره مجاذيب العامة من طقوس تضيع بنا بعيدا عن حال الذات إلى أحوال ذوات أسطورية تكرس البعد بدل القرب والضياع بدل الفهم.
ورغبة الخلاص هاته هي ما يعبر عنها الشاعر داخل قصيدته من خلال أربع لحظات انتقالية من حال إلى حال بحيث أن كل انتقال من وضع وجداني/روحي إلى آخر مشروط باكتمال فيض يملى وعاء الحالة النفسية ليمر الشاعر لملء الوعاء الموالي الذي يكون أكثر اتساعا لاستيعاب رحلة انفعالاته إلى سدرة الحضرة كحالة نهائية لهذا السفر الروحي.
1. مرحلة الحال: دندن يا سنتير الحال… دندن بهوايش الهبال
2. مرحلة الحيرة: دندن يا سنتير الحيرة .. دندن على ألغاز الخبيرة
3. مرحلة الهموم: دندن يا سنتير المهموم .. دندن بلسان ذلك المظلوم.
4. مرحلة الحضرة: دندن يا سنتير الحضرة.. دندن وجبد الوترة.
هذه المراحل الأربعة تتوافق نسبيا مع مقامات الصوفية في تدرجها من محطة إلى أخرى، بحيث في المرحلة الأولى هي مرحلة دغدغة الذات عن طريق مخاطبتها ومناجاتها واستخراج أوجاعها من أجل تهييئها للمرحلة التي تليها، ما يمكن أن نسميه الوعي الاستبطاني باعتباره محاولة إدراك لأحوالها وعواطفها الداخلية على حد تعريف برتراند راسل للوعي الباطني. وقد اتخد الشاعر من السنتير لوحا تقرأ من خلاله الذات نفسها بمعنى آخر يمكن القول أن السنتير هو المرآة التي يكشف حجاب ذات، يعريها ويستفزها لترى نفسها من خلال دندنته. وهو ما يعبر عنه في “دغدغ ما قصاح من الأوصال … قطع الراشي فيق الغاشي… ساوي المقال فرك اللي ادبال..غزلو صوف..فتلو حبال..اتسلق بيه جبال الخيال”. وبعبارة اخرى يمكن أن نعتبر أن انغام أوتار السنتير تقابل خمرة الصوفية بما تؤدي إليه من استغراق في الحب المؤدي إلى النشوة، التي تجعل اللسان ينطق عن هوى البوح بالقصيدة. ” انغام أوتارك أوجاع.. تبوح بقصائد عن الزمان.. تنحت من خلال جرعات مرثية وشام على الكسدة.. كلام مغرز من خيوط الأيام”.
المرحلة الثانية هي لحظة انصهار تام وتشابك مع انغام السنتير وكأن الشاعر دخل رحبة الحيرة النفسية وشرع في البوح الصريح بما تطفح به الذات من معاناة “أركان كربة البوح مطلية قطران.. مسكونة أحزان.. الحرف فيها هايج امفجر فيها وديان”، هي مرحلة الاعتراف بالصراع الداخلي الذي يعيشه الشاعر نتيجة الهم والضيم والخيبة ” دندن على خيبة ديك الخميرة.. ماها هموم.. ملحها سقام.. رغيف مجدام..”
المرحلة الثالثة وهي مرحلة الهموم أو “التسليم” والميل نحو التحرر من الأوجاع وطلب العون من السنتير أي طلب العلاج الروحي ” داوي ذاك القلب المجروح.. داويه من سم الجفى.. دردر عليه رماد العطفة..” فبدأ الشاعر يطلب العشق الروحاني بدل الاستغراق في ما تحجبه الستائر لأنه لا يمكن مقاومة الحال باعتباره معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب من طرب أو حزن أو قبض أو بسط أو هيئة.
مرحلة الحضرة أو الجذبة كمرحلة أخيرة هي مرحلة الوصول بأحوال النفس للاستعماء عن المادة يغيب فيها قلب الشاعر عن علم ما يجري من أحوال الخلق ويتصل فيها بالعالم تجريدي ما ورائي/ ميتافيزيقي
” الكسدة حاضرة والعقل مسرج عود السراب.. تايه ضال في غياهب هاذ الصحرا” ليعترف في الاخير أنه مسلوب ومغلوب بمعنى طفا مع مستوى الفيض ليتخلص الشاعر من ذاته ويحقق السلب أي سلب الإرادة “للملوك” وهو في الحقيقة يعني سلب الإرادة بالله لله. “الساكن فيه يجليه.. مسكون بألوان الملوك”

لكي يعبر الشاعر عن حاله الروحاني توسل ببناء جمالي متنوع للقصيدة، ولنقف قليلا عند الإيقاع الموسيقي الداخلي والخارجي لرائعة “هوايش الحال”، إذ نجد أن الشاعر ألزم نفسه بالقافية كاختيار لختم أسطر القصيدة التي يترابط سابقها بلاحقها بشكل هندسي لولبي، كالبرغي أي المسمار اللولبي ذو السن الملولبة vis، يثبت بالتدوير لا بالدق في أعماق المادة التي يريد اختراقها، ومادة الشاعر ها هنا هي المعنى العميق الذي يبحث عنه هو أولا، أي “الحال”، قبل أن يصبح مشاعا بين المتلقين. ولهذا نجد أنفسنا نتحرك مع الشاعر داخل القصيدة نفسيا وموسيقيا وفق الحركة التي تموج بها نفسه جراء إيقاع السنتير الذي اختلط وامتزج مع إيقاع القصيدة وكأننا ننصت لرجع صدى الكنبري في قوافي وقفلات الأسطر الزجلية، وإني لأتخيل أن الشاعر وعى بذلك أم لم يع يدمج المتلقي في عملية الكورال ليتحول بدوره إلى مجذوب في جامع الحضرة الذي يتبرك فيه سي العبريدي وهو جامع الغيوانيين بكل تلويناتهم وأشكالهم وإيقاعاتهم وشطحاتهم.
وإلزام الشاعر نفسه بالقافية لم يكن بالشكل متعسف أو متصنع، بل إنه جعل القافية متحررة متغيرة من حين لآخر دون اشتراك ملزم وواحد في حرف الروي في جميع أسطر القصيدة -وهذه الصياغة التي لا أدري إن جاءت تلقائيا أم أنها مقصودة من الشاعر- تجعل المتلقي يقضا غير مفتون بموسيقى خارجية مسترسلة ومملة ليبقى مشدودا للمشاهد التي يصورها الزجال عن عالم الوجود والصيروة والكينونة.
مثال على ذلك:
دندن يا سنتير المهموم
دندن بلسان داك المظلوم
دندن على غصة داك المحروم
لاغي امراية الروح
داوي داك القلب المجروح
صفيه من سم الجفى
دردر عليه رماد العطفة.
شراع مركب هاد الدنيا اهشيش
لعبت بيه رياح المحنة
تاهت بيه وسط بحور
مجمر زاند.. و الجلاد.. رابوز ايسوط.
جهد الحال اتهد
بارود النفس ابرد
اخلف.. بعد ما اوعد

بالإضافة إلى الإيقاع الخارجي فإن الزجال، أثرى قصيدته بإيقاع داخلي ملفوف ومدغم مع صور شعرية غاية في الكثافة المجازية الدالة على موسوعية قاموسه اللغوي الشعبي التراثي إذ أحكم الإيقاع الداخلي لقصيدته “هوايش الحال” بقافية داخلية صوتية تتبلور مِن خلال تكرار الحروف والمفردات والتجمعات الصوتية والطباق والجناس، وتوازن الجمل وتوازيها وغيرها، وهو ما يدل عن حسن اختيار المنشئ لألفاظه وجودة ترتيبه لها.
مثال على ذلك:
طرز كلام اعوام.. امغرز بخيوط الأيام.
طبق الأيام.. ماعونو رخام.. سطحو أوهام
فيه شلا ايدام
خفيف يگهم.. خاتر يصگم..
الحس التخيلي والإيقاع الموسيقي الداخلي والخارجي للزجال سي العبريدي جعل قصائده جعل قصيدته مبنية على قوالب وأصوات وبلاغة جعلت قصيدته ذات إقناع بلاغي يؤثر على المتلقي ويشده إلى عوالمها دونما حاجة إلى الوزن التقليدي الذي عهدناه في القصائد التقليدية المعرب منها والزجلي. ، فعمله حاول تكثيف الموسيقى، ومن العناصر التي تجرأ على شحنها بالموسيقى:
-1 علاقة الكلمات.
2- علاقة الحروف.
3- الـــدلالات.
(يتبع)

هوايش لحال : الزجال مصطفى العبريدي
دندن يا سنتير الحال
دندن بهوايش لهبال
دندن على الوقت المحتال
دغدغ ما اقصاح في الأوصال
قطع الراشي..فيق الغاشي.. ساوي المقال
فرك اللي ادبال..غزلو صوف..فتلو حبال..
اتسلق بيه جبال الخيال.
أنغام أوتارك أوجاع
ألحانك جرعات مرثية
وريقات من شجرة.. مضغات رياح
حفات ليها الأسنان.. ذبلو ليها الأفنان
ما ابقى ليها غير لسان
جهدو ايتمتم.. في ادواخلو ايبرگم
يتحول رعدة.. تسرح في شعاب الكسدة
تنحت في الذات اوشام
اتبوح بقصائد على الزمان
طرز كلام اعوام.. امغرز بخيوط الأيام.
طبق الأيام.. ماعونو رخام.. سطحو أوهام
فيه شلا ايدام
خفيف يگهم.. خاتر يصگم..
دندن يا سنتير الحيرة
دندن على ألغاز الخبيرة
دندن على خيبة ديك الخميرة
اسبر أغوار عجينة الروح
طحينها نخالة.. فتات نعالة
ماها هموم.. واحة مضيوم
ملحها اسقام.. رغيف مجدام
امگرص في قصرية التخمام.
بنة النغمة فطيرة.. اتجيك امحجبة في حلمة
تغوي بضغمة.. تعمي بتخمة.
آه يا ولفي..
الزهر مكفي و الميمون منفي
المطامر جيعانة و الرحى فگعانة
ما لقات ما تطحن.. درسات التبن
الجوف اتغبن.. بجمر الصيام اسخن
و هاداك الفم..شد حق الله..امكتف..
ايزاوگ في الگانة.
اللسان..لجم لغاه..انشف الريق..
نبتت سخانة.
غميزة من عين الما(ء)
غلاتو.. ازند و احمى
وحش الجوع.. ما يتلاهى بجغمة !!
أركان گربة البوح
مطلية قطران.. مسكونة احزان
الحرف فيها هايج.. امفجر ويدان
و حلق التيه.. واااااااكح
اموقف شوكتو ضربان.. اينادي حيران..
وسط عين الشلال.. لقى راسو عطشان
و هاداك جلد الگربة اللي ايبان صاين
راه مسكين دابغاه المحاين..بزاااااف فيها خافي..
غير حد الشوف اللي باين.
دندن يا سنتير المهموم
دندن بلسان داك المظلوم
دندن على غصة داك المحروم
لاغي امراية الروح
داوي داك القلب المجروح
صفيه من سم الجفى
دردر عليه رماد العطفة.
شراع مركب هاد الدنيا اهشيش
لعبت بيه رياح المحنة
تاهت بيه وسط بحور
مجمر زاند.. و الجلاد.. رابوز ايسوط.
جهد الحال اتهد
بارود النفس ابرد
اخلف.. بعد ما اوعد
كل طلعة گمرة
اتخليه ايخايل سراب
يوحي بقرب فنار مرسى
يفرح.. يسعد. يحمد
و مع طلوع شمس الفجر
ايعاكسو الزهر
اتراودو نخصة.. اتعانقو نكسة
و ايصوگو الريح من جديد
يتهادى وسط أمواج
اتعرج بيه في أدغال خالية
جمرات گادية
من حر الرماد. باكية.. شاكية.
دندن يا سنتير الحضرة
دندن و جبد الوترة
دندن على الجراح تبرا
غربل لب المعاني من سوق الهدرة
زمم بالأنغام انفولة ..حجاب..
يتعلق على صدر الگمرة
يتبخر في كانون القهرة
يجلي سحابة الحگرة.
برج المحگور سحابة كدابة
طولها يحجب النور.. عرضها غيث مقهور
اتخليه مسكين ديما طامع
هايم في سكة الأعوام
يغزل من صوف الظلام أحلام
و يرجع ايدور.. و ايدور..
حالة مغلوب.. مسلوب
الساكن فيه يجليه
تالف بلا اهواه في عوالم التيه
اوضر.. ايحضر
مسكون بألوان لملوك.. احزامو مفكوك
يجدب في رحبة الحضرة
سالباه نغمة الوترة
ايداري حسرة.. ايكمد حر دبرة
الكسدة حاضرة
و العقل.. امسرج عود السراب..
ايقلب على باب
ما باع ما اشرى.. ما افهم ما ادرى
تايه.. ضال.. في غياهب هاد الصحرا(ء)..!!!


