لـ “اليوم السابع” قصة قصيرة : لا أحد ينتظرك.. عبدالمولى دليل

في النهار كنت أنقي حدائق فيلات أثرياء مولان من الأوراق الميتة، و الأعشاب الضارة .لم أترك عملا  إلا و اشتغلت فيه. مرت سنوات على ذلك كنت بين الفينة و الأخرى اتصل بأحد أقربائي الذي كان يسكن قريبا من البراكة التي تسكنها والدتي لأسأله عنها ،و عن أحوال صحتها و كيف تدير حياتها  في ظل غيابي . استطعت الحصول على أوراق الإقامة، و لم أعد ذلك المهاجر السري الخائف من الوقوع في أيدي شرطة لا ترحم الحراقة  و لا تتوانى في ترحيلهم مكبلين لبلدانهم الأصلية .رجعت و بي شوق كبير لرؤية والدتي . وصلت الى الدوار، فوجدت باب البراكة موصد بسلسلة حديدية و قفل تنتشر فيه بقع الصدأ. طرقت الباب حتى كل مثني ،فخرج احد الجيران فقال بنبرة حزينة و صوت متهدج: البراكة فراسك أولدي الطاهر أمك ماتت منذ سنة تقريبا…

أجر حقيبة  السفر ،و أنظر لوجه أمي المتغضن تنهمر عليه دموع  من محاجر جفت من كثرة البكاء  .حطت الطائرة بمطار باريس الدولي. مطار غريب علي أنا ذلك المهاجر الذي جاء الى فرنسا عندما اختار الحظ أن يقف الى جانبي ، دخلت فرنسا فقط بمساعدة فرنسية رقت لحالي، جمعتني و إياها الصدفة بحافلة مهترئة قادمة من الدارالبيضاء في اتجاه اسفي عاصمة عبدة، فجأة توقفت الحافلة وسط الطريق لعطل ميكانيكي، فنزل جميع الركاب. كانت منزوية في ركن بعيد عن الناس تنتظر بدورها أن يتم إصلاح العطب لتواصل الحافلة طريقها .كانت قلقة و متوترة يبدو على وجهها الخوف و الاضطراب، تنظر الى الناس بحيطة و حذر تبتسم في وجوههم، و تبقي مسافة أمان بينها  و بينهم.أمقت لحظة الوداع أتصورها  كميت ينهض من لحده ليقول لأقربائه و أحبابه و أصدقائه وداعا  .على عتبة الباب كان صوت أمي  يصدح بأحسن الدعاء ،و لايكة الكلبة الوفية بجانبها تبصص بذيلها ربما هي الاخرى حزينة على رحيلي.  لا أدري لماذا اختارتني الفرنسية من بين جميع المسافرين لتقول لي بصوت منخفض و ابتسامة متكلفة لكنها  عذبة زادت وجهها الفضي المشرب بحمرة جمالا و حسنا. كانت في عقدها الثالث قلت ربما بادرتني بالحديث من دون الركاب الاخرين لسني القريب من سنها و لهندامي المتألق دجين و قميص صيفي و حذاء رياضي من نوع نايك. طمأنتها على ان الحافلة ستتماثل للشفاء عما قريب، و تواصل طريقها الى اسفي الذي لم يبق يفصلنا عنه سوى بعض الكيلومترات. أعجبتها عبارة تتماثل للشفاء ،قالت معلقة: تعبير دقيق  جسد الحالة الحقيقية التي عليها الحافلة .بعد عمل شاق و جهد مضني  بذله  الميكانيكي اخيرا أصدر محرك الحافلة هديرا أدخل السرور و الفرحة على الركاب الذين  عادوا الى مقاعدهم  و عدت بدوري الى مقعدي  بجانب الفرنسية التي سألتني عن اسمي .قلت لها :الطاهر و سألتها عن اسمها الذي كان سيرين . لم أكن من المبادرين  بالكلام خشية ازعاجها أو خشية ان تعتقد ما يعتقده معظم الغربيين الذين يأتون الى دول العالم الثالث  ان شعوبها  لا تحسن فن التعامل مع الاخر، و ان احسنوا كان وراء ذلك نية مبيتة نصب او سرقة ….سألتني عن عملي .قلت لها :مطرب شعبي بملهى ليلى بالدارالبيضاء. لم تفهم مطرب شعبي ،فشرحت لها أنني اغني الأغاني القديمة التي كان يتغنى بها ابائي و اجدادي  اغني العيطة الحصباوية التي تعتبر من الأغاني التراثية بمنطقة عبدة .رأيت على وجهها علامة الرضى و الاستحسان ، إذ تحمست لمواصلة الحديث  عن عملي، فقالت:  أين تعلمت  الغناء ؟. قلت : في قريتي الكل يجيد  هذا الفن  النساء و الرجال على حد سواء الكل له إلمام بالغناء و الرقص و الضرب على الات الايقاع ،هذه الالوان الفنية تولد معنا نتعلمها بالفطرة بدون كتب و لا مدارس …. صمت المطارات يشبه صمت الجنائز  و وجوه المسافرين وجوه صفراء انهكتها أحزان فراق الاحبة في كل سفر و رحيل عن أرض الوطن .  قالت سيرين: انت من اسفي .قلت لها نعم أنا من قرية تبعد عنها بعشرات الكيلومترات تقريبا. ساد صمت بيننا لم يدم طويلا ثم سألتها عن سبب مجيئها الى هذه المدينة. قالت أحضر بحثا جامعيا لنيل درجة الدكتوراه عن الموسيقى البدائية عند القبائل  البدوية لهذه جئت الى هنا،  و كما قيل لي إنها مهد موسيقى العيطة التي تمتاز بايقاع سهل و بسيط  . قلت:  هل حددت الأماكن التي ستبدئين بزيارتها للاطلاع عن قرب على ما تودين البحث فيه؟. قالت: لم أحدد بعد الأماكن لأنني أبحث عن شخص ثقة يساعدني على الاقتراب من تلك الأنشطة التي تحضر فيها الموسقى التي أبحث عنها.  بينما كانت الحافلة على مشارف مدينة اسفي قلت لها: هل تقبلين يا سيدتي  مساعدتك؟. قالت:  بكل فرح ،لكن أخشى ان أشغلك عن عملك. قلت : بل لي الشرف أن أساعدك حتى يذكر اسمي في بحثك ،و اعرف المزيد عن الموسيقى.  مضيفات الطائرات  يشرحن وسائل النجاة بإشارات تشبه حركات الممثلين الفاشلين على مسرح بدون جهمور، فكنت أقول لا نجاة من الموت لا قدر الله اذا تعرضت الطائرة لخلل ميكانيكي، و هي على بعد  الاف الكيلومتر عن سطح الأرض .اخذتها الى الدوار الذي كنت أعيش فيه ، و شرحت لوالدتي  أن مجيء هذه الفرنسية الى هنا هو في إطار إنجاز بحث عن الموسيقى.انتشر سريعا في الدوار خبر إستضافتي لكاورية بمزلي، فتم استدعائي من طرف سلطات الجماعة القروية للبحث معي عن سبب تواجد هذه الكاورية في منزلي .كان الشيخ المكلف من طرف الباشا قد استدعاني الى مقر الجماعة ،ثم شرع يسألني عن كل كبيرة و صغيرة تخص سيرين، و عن سبب مجيئها الى الدوار .قلت للشيخ ان ضيفتي  تتوفر على تصريح من وزارة الداخلية يسمح لها بالبحث عن المعلومات التي تفيد بحثها الجامعي في أي منطقة من مناطق المغرب. احجم الشيخ عن وضع المزيد من الاسئلة و تركني انصرف لحال سبيلي.

قلت لسيرين  سأعرفك على غناء نساء الدوار الحزين الذي يكون بدون موسيقى ،و ذلك في مناسبات أتراحهم و أحزانهم، عندما يفقدن حبيبا أو قريبا ،و أعرفك على غنائهم الذي يكون مصحوبا بايقاع يكون عادة بوسائل بسيطة كالضرب على الطعريجة و البندير  ،و هما صناعة محلية و ذلك بمناسبة أفراحهم: زفاف  عقيقة ختان…طقوسهم في الغناء تحددها مشاعرهم المتقلبة التي تتغيير حسب ظروف حياتهم التي تكون تارة بالدموع و شق الجيوب ،و تارة  بالرقص و الغناء  هذه هي الموسيقى التي تعلموها عن الطبيعة.

كانت سيرين تدون في دفتر كبير كل صغيرة و  كبيرة ،تدون ما شاهدتها أعينها و سمعتها أذنها ،و في بعض الاحيان كانت تلجأ الى الة تسجيل صغيرة لتسجل أغاني نساء الدوار على سجيته و طبيعته البدوية .كانت تبدو سعيدة ،و هي تقوم بعملها أخذت عدة صور مع نساء الدوار و هن يغنين و يرقصن قالت : إن هذه الصور ستحتفظ بها كذكريات جميلة لأسعد لحظات قضتها بين نسوة  يفضن حبا و كرما .

عندما حان وقت رحيلها عن الدوار و عودتها الى بلدها سألتني أن أطلب منها شيئا تستطيع أن تقوم به .قلت لها أن تسهل لي طريق الهجرة لبلدها. صمتت كانت تفكر في طلبي الذي لم تكن تنتظره، لكنها وعدتني أن تعمل  كل ما في جهدها لأصل الى أرض فرنسا.ساعدتني سيرين، و وقفت بجانبي وقفة امرأة تفي بوعدها حتى حصلت على تأشرة الدخول، فهاجرت  الى فرنسا و استقر بي المقام بمدينة صغيرة تسمى مولان تقع بضواحي باريس أنام  بحجرة مكتظة بالحراقة أفارقة  مغاربيين سوريين… أقوام فقدوا في أوطانهم الأمان و الآمال .اشتغلت بالليل بالمقاهي  أصحابها يبحثون عن الحراقة الأيادي العاملة الأرخص في فرنسا أغسل الصحون و أغسل  قلبي من حبك يا وطني  .

في النهار كنت أنقي حدائق فيلات أثرياء مولان من الأوراق الميتة، و الأعشاب الضارة .لم أترك عملا  إلا و اشتغلت فيه. مرت سنوات على ذلك كنت بين الفينة و الأخرى اتصل بأحد أقربائي الذي كان يسكن قريبا من البراكة التي تسكنها والدتي لأسأله عنها ،و عن أحوال صحتها و كيف تدير حياتها  في ظل غيابي . استطعت الحصول على أوراق الإقامة، و لم أعد ذلك المهاجر السري الخائف من الوقوع في أيدي شرطة لا ترحم الحراقة  و لا تتوانى في ترحيلهم مكبلين لبلدانهم الأصلية .رجعت و بي شوق كبير لرؤية والدتي . وصلت الى الدوار، فوجدت باب البراكة موصد بسلسلة حديدية و قفل تنتشر فيه بقع الصدأ. طرقت الباب حتى كل مثني ،فخرج احد الجيران فقال بنبرة حزينة و صوت متهدج: البراكة فراسك اولدي الطاهر أمك ماتت منذ سنة تقريبا بعد  معاناتها مع مرض عضال .كانت رحمها الله توصي زوارها بعدم  إخبارك بحالتها الصحية حتى لا تكون السبب في حرمانك من أوراق فرنسا.سألت عن الكلبة لايكة فقال لي الجار بأنها اختفت منذ ان توفيت والدتك. اقفلت راجعا لمدينة الدارالبيضاء أبحث عن  وكالة أسفار  لأحجز تذكرة سفر الى فرنسا .بوسط المدينة دخلت على اول وكالة وقعت عيني عليها.  قالت لي العاملة هناك: هل تريد تذكرة ذهاب و إياب الى فرنسا ؟.قلت: تذكرة ذهاب فقط يا سيدتي ، تم أضفت بصوت خافت: لا عودة لوطن لا يوجد فيه أحد ينتظرك .  قالت العاملة :ماذا قلت يا سيدي؟. قلت: لا شيء لاشيء….. .

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...