الأكثر إثارة للاستغراب، بل للأسف، هو إصرار الجزائر على لعب دور راعٍ لنزعات الانفصال في منطقة هي في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار والتكامل. فبدل توجيه مواردها وإمكاناتها نحو بناء مغرب كبير قوي ومندمج، تصر القيادة الجزائرية على الاستثمار في الانقسام، وإبقاء اتحاد المغرب الكبير رهينة نزاع افتعلته حسابات إيديولوجية ضيقة، يدفع ثمنها شعوب المنطقة، وليس النخب السياسية المتشبثة بأوهام الحرب الباردة

مرة أخرى، يختار رئيس الجزائر أن يخاطب العالم بمنطق تجاوزه الزمن، وكأن التحولات العميقة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية لم تقع، أو كأن القرارات الأممية المتتالية مجرد تفاصيل عابرة يمكن القفز عليها بخطاب إنشائي فقد قدرته على الإقناع. غير أن الحقيقة، مهما أُنكرت، لا تسقط بالتجاهل، والوقائع الدولية لا تُغيَّر بالخطب، بل تفرض نفسها بقوة الديبلوماسية والعلاقات الدولية.
فالقرار الأممي الأخير بشأن الصحراء المغربية لم يترك مجالاً للالتباس أو التأويل الانتقائي، إذ جدّد التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب تظل الحل الجاد والواقعي وذا المصداقية لإنهاء هذا النزاع المفتعل. قرار جاء ليكرّس مساراً دبلوماسياً تصاعدياً، قاد إلى تآكل أطروحات الانفصال، وعزلها سياسياً، مقابل تنامي دعم دولي واضح للطرح المغربي، دعم لم يعد خافياً على أحد سوى من يصرّ على العيش خارج سياق اللحظة الدولية.
وإذا كان الخطاب الجزائري لا يزال يتحدث عن “سكان الساقية الحمراء ووادي الذهب” وكأنهم شعب بلا تاريخ ولا امتداد، فإن هذا الطرح لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج لأسطورة سقطت قانونياً منذ عقود. فمحكمة العدل الدولية نفسها، في رأيها الاستشاري، أقرت بوجود روابط قانونية وتاريخية بين سلاطين المغرب وقبائل الصحراء، وأكدت أن الإقليم لم يكن أرضاً بلا سيادة. تجاهل هذه الحقيقة ليس موقفاً سياسياً، بل إنكار صريح لوثيقة قانونية دولية لا تزال مرجعاً أساسياً في هذا الملف.
ثم إن البيعة، التي يحاول البعض تبخيسها أو تصويرها كطقس فولكلوري، ليست مجرد ممارسة رمزية، بل مؤسسة سياسية وقانونية متجذرة في التاريخ الدستوري المغربي. وقد تُرجمت هذه البيعة عملياً عبر الظهائر السلطانية التي مارست من خلالها الدولة المغربية سلطاتها الكاملة في الصحراء، تشريعاً وتدبيراً وحكماً. وهي وقائع موثقة، لا يمكن شطبها بخطاب عاطفي أو شعارات تقريرية فقدت صلاحيتها.
الأكثر إثارة للاستغراب، بل للأسف، هو إصرار الجزائر على لعب دور راعٍ لنزعات الانفصال في منطقة هي في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار والتكامل. فبدل توجيه مواردها وإمكاناتها نحو بناء مغرب كبير قوي ومندمج، تصر القيادة الجزائرية على الاستثمار في الانقسام، وإبقاء اتحاد المغرب الكبير رهينة نزاع افتعلته حسابات إيديولوجية ضيقة، يدفع ثمنها شعوب المنطقة، وليس النخب السياسية المتشبثة بأوهام الحرب الباردة.
لقد مدّ المغرب يده مراراً وبوضوح. وجلالة الملك محمد السادس وجّه دعوات صريحة للحوار، دون شروط مسبقة، وبمنطق المسؤولية التاريخية وحسن الجوار. لكن يبدو أن منطق التصعيد لا يزال، لدى القيادة الجزائرية، أكثر إغراءً من منطق الحكمة، حتى وإن كان ثمنه عزلة دبلوماسية متزايدة وفقدان المصداقية أمام التحولات الدولية.
ويبقى السؤال الجوهري: ما معنى هذا التصعيد الكلامي بعد قرار أممي واضح؟ ولماذا هذا الخطاب في لحظة إفريقية جامعة، قدّم فيها المغرب نموذجاً لدولة إفريقية قادرة على التنظيم، والتأثير، وصناعة التميز الافريقي؟ أليس الأجدر برئيس الجزائر أن ينشغل بمستقبل شعبه، وبالتحديات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية، بدل الارتهان لخطاب انهكته الهزائم الدبلوماسية؟
إن التاريخ لا يرحم من يعاكسه، والمستقبل لا ينتظر من اساء فهم توجهاته. والصحراء المغربية، شاء من شاء وأبى من أبى، ليست موضوعاً للتفاوض حول السيادة، بل إطاراً لحل سياسي واقعي تحت السيادة المغربية، يحفظ كرامة الساكنة، ويخدم استقرار المنطقة. وكل خطاب يحاول القفز على هذه الحقيقة، لا يفعل سوى تأكيد انفصاله عن الواقع، وعجزه عن مواكبة زمن لا ينتظر المترددين.


