أحمد المرادي مؤسس و مدير دار النشر التوحيدي لـ “اليوم السابع” تحول الدعم إلى مصدر لزيادة “العلف في بطن المعلوف”
ويقول: الممارسة في قطاع النشر ليست منظمة على مستوى الإبداع والإنتاج والتوزيع والبيع
حلقة حوار ، تنفتح على مختلف الفعاليات الثقافية والفكرية وصناع القرار السياسي وكذا التعبيرات الاجتماعية والمدنية ..حول قضايا راهنة وأسئلة ذات صلة بمجال تموقعهم وفعلهم وآفاق العمل..حوار اليوم يستضيف الناشر أحمد المرادي مؤسس و مدير دار النشر التوحيدي ،كاشفا سياق فكرة تأسيس دار النشر التوحيدي،وإشكالات أخرى ترتبط بالقطاع الوصي على الثقافة حيث المشترك بين هذه التجارب الوزارية هو غياب المقاربة التراكمية بين الوزراء، أي وبشكل أكثر وضوحا، كل وزير يتسلم مهامه ويبدأ في اتخاذ قراراته إن وجدت، وكأنه لم يوجد قبله وزيرا للثقافة إلا في حالة أو حالتين.موضحا المرادي عدد من الصعوبات التي تواجه دور النشر بفعل غياب مخطط وطني ومؤَسَّس للصناعة الثقافية و رصده للتحولات الرقمية ،لنختم بسؤال تجربة الكتابة التي يعتبرها مستقلة عن مهمة النشر..فلنتابع

الرباط:اليوم السابع-حاورته:ايمان الونطدي///
- 1/كيف تولدت فكرة دار النشر التوحيدي؟
- في أحيان كثيرة، تلعب الصدف والصداقات ومسارات الحياة، وفي الغالب من حيث لا ندري،بمصائرنا، فتعيد تشكيل حياتنا، وتطوح بنا، ونحن سعداء بذلك، في لُـــجــج لم نتصورها من قبل، نظرا للتكوين والمسار الوظيفي والأفق المفتوح أمامنا.
ذات جلسة صداقة صحبة الدكتور محمد العودي (وكان وقتها أستاذا لمادة جغرافيا التنمية بكلية عين الشق بالدار البيضاء)، و الصديق اليزيد البركة( وهو سياسي يساريوصحافي من الرعيل الأول ويكفي التذكير بأنه كان صحفيا بجريدة المحرر)، وكانت قضية الجلسة المركزية هي قرب صدور كتاب الدكتور محمد العودي ” الدار البيضاء من خلال صغار مقاولي الفقر “،Casablanca à travers ses petits entrepreneurs de la pauvreté والذي أصدرته كلية عين الشق، لكن مشكلة توزيعه كانت تطرح إشكالا كبيرا.
قبل نهاية الجلسة، كان قد تبلور مشروع دار للنشر والتوزيع متخصصة في الكتاب،والانطلاقة كانت بهذا الكتاب من خلال توزيعه وطنيا، وفي ذات السياق اقترح علينا عميد كلية عين الشق (د. أحمد بوشارب) توزيع الكتب الأخرى التي أصدرتها الكلية والتي لم تغادر مخازن الكلية،فكانت الانطلاقة الحقيقة بواسطة توزيع كتب الكلية.
أما اختيار “دار التوحيدي”، فهو نسبة لأبي حيان التوحيدي، الذي عاش في القرن الرابع،بداية انحطاط الحضارة العربية الإسلامية كما هو مؤَرَّخ له، وقد أحرق كتبه في آخر حياته احتجاجا على عصره، وقد فكرنا أن نعيد الاعتبار لهذا الهرم الثقافي وهو “أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء”، الذي كفره الظلاميون، بل اعتبروه أخطرهم، صحبة أبي العلاء المعري وابن الراوندي وبشار بن برد (الحنبلي – شذرات الذهب).
وشخصيا كانت لي علاقة فتنة بهذا الفيلسوف والاديب الذي بدأت أقرأ له منذ سن 16، وكان أول كتاب قرأت له هو جزء من “الإمتاع والمؤانسة”، اشتريته بسوق اسراك بتارودانت.
وبذلك أسسنا دار التوحيدي سنة 2000،وكان مقرها بالرباط، لكنني بقيت أشتغل مديرا لشركة معلوميات وهو تخصصي، لأنني خريج شعبة مهندسي المعلوميات بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقيINSEA ، وبعد ذلك السلك العالي للمعهد العالي للتجارة وتدبير المقاولات بالدار البيضاءISCAE .
ولم التحق نهائيا ورسميا بدار النشر إلا سنة 2003،بعدها، كانت دار النشر قد بدأت في وضع بصمتها في قطاع صناعة الكتاب.
وكان أول كتاب أصدرناه باسم دار النشر، للدكتور محمد العودي بعنوان “جذور تأسيس الديمقراطية : الحركة الثورية بفرنسا (1830-1870)، وكان من تقديم اليزيد البركة.
- 2/هل دعم وزارة الثقافة وبرامجها ذات الصلة بالكتاب والمعارض تكفي؟
- منذ 20 سنة، عايشنا العديد من التجارب الوزارية، ويمكنني القول دون تردد أن المشترك بين هذه التجارب الوزارية هو غياب المقاربة التراكمية بين الوزراء، أي وبشكل أكثر وضوحا، كل وزير يتسلم مهامه ويبدأ في اتخاذ قراراته إن وجدت، وكأنه لم يوجد قبله وزير للثقافة إلا في حالة أو حالتين.
أما بالنسبة إلى الدعم فإنه لم يتمأسس إلا خلال مرحلة تقلد الوزارة من طرف محمد أمين الصبيحي، والذي، وللتاريخ كان أكثر جرأة وعمل على تحجيم لوبيات القطاع،كما أنه خلال تقلده للوزارة، فتح الباب من خلال سياسة الدعم، للعديد من المؤسسات الناشرة والصغيرة، كي تتموقع وتنتج كتابا مغربيا في مستوى قدرات صناع الكتاب المغربي، رغم استمرار جزء من الإدارة في الإذعان للوبيات قطاع الكتاب.
ويكفي أن نشير إلى أن الدعم عرف مسارا غير منتج بعد ذلك، حيث دخل القطاع في إعادة إنتاج الممارسات السابقة على مأسسة الدعم، بحيث تحول الدعم إلى مصدر لزيادة “العلف في بطن المعلوف” وهي “الشركات التي لا هم لها إلا الربح والاستفادة من ريع الدعم دون إضافة حقيقية للمجال الثقافي على مستوى نوعية وجماهيرية الكتاب.
لذلك قاطعنا، بصفتنا دارا للنشر، مشاريع الدعم لسنة2019 وراسلنا كمؤسسة وزارة الثقافة في هذا الشأن.
بعد تقلد الوزير الجديد (السيد عثمان الفردوس)، انطلق شكل آخر من الدعم، يختلف عن الصيغة السابقة، والتي كانت صيغة دعم صناعة الكتاب، أي نشره وطبعه وتوزيعه،بدعم المشروع من طرف الوزارة، فصار الأمر نحو اقتناء كميات(؟؟؟؟؟) من الكتب الصادرة خلال ثلاث سنوات الأخيرة.ولا ندري إن كانت صيغة استثنائية أم أختيار جديد !!!!!
وهذه مشكلة أخرى يعاني منها قطاع صناعة الكتاب وهو تعدد التمثيلية للفاعلين خارج الأطر الديمقراطية، بحيث أن مؤسسات القطاع مشتتة بين جمعيات واتحادات شكلية بدون مشروع وبدون رؤية لتطوير القطاع وخدمة صناعة الكتاب والثقافة بعيدا عن التسول والإذلال والوساطة الزائفة باسم خدمة المصالح العليا للوطن.

- 3/ما هي الصعوبات التي تواجه دور النشر؟
- الصعوبات التي تواجه قطاع النشر، والذي هو جزء من الصناعة الثقافية، متعددة ومتداخلة وبالتأكيد فإن القضايا الصغرى لا يمكن أن تجد حلها إلا بحل القضايا الكبرى ويمكنني إجمالا تحديد صعوبات القطاع في:
- وكذلك غياب مخطط وطني ومؤَسَّس للصناعة الثقافية، وفي قضيىة التأسيس تطرح إشكالية “المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية”، والذي ولد ميتا بقانون 16-04، والذي يحدد تشكيلته في 25 عضوا يمثلون جهات لا تمت بصلة للقطاع. وللعلم فإن هذه المؤسسة ومنذ تعيين رئيسها بقيت حبرا على ورق وأفرغت من بعدها وكنهها عبر تنظيمها بالقانون المذكور وبالاختيارات التي لم تنته بعد لأعضائها.وللعلم فقط، فإنني مارست مهام كاتب عام لاتحاد الناشرين المغاربة، من 2014 إلى 2019، ولم يتشاور معنا الرئيس المعين أو جهة ما لا حول القانون المنظم للمجلس ولا حول تمثيلية هيئة اتحاد الناشرين المغاربة.
إن سيادة “القطاع غير المهيكل”، وذلك أن الممارسة في قطاع النشر ليست منظمة على مستوى الإبداع والإنتاج والتوزيع والبيع, حيث أن العديد من المكتبات والأكشاك يمكن اعتبارها في عداد بل هي في عداد “فراشة”، حيث لا ضمانة لديك في تحصيل والتحصل على حقوقك كناشر لأن الكثير من المكتبات والأكشاك ليست مؤسسات منظمة قانونا,وهذا يطرح إشكالات معيارية وقانونية وتجارية وحتى أمنية، تعوق تطور القطاع.
حيث سيطرة لوبيات من الزمن القديم، فكرا وممارسة، على صناعة الكتاب من خلال مساطر وقوانين إنتاج الكتاب المدرسي، وآليات اتخاد قرار إدخال الكتاب الإبداعي المغربي للاستعمال داخل الوسط المدرسي كالمؤلفات مثلا، بالإضافة إلى الفوضى التي تميز استعمال الكتاب في المدارس الخصوصية بعيدا عن التأطير البيداغوجي المفروض أن تمارسه وزارة التعليم قانونا.
ومن غياب هيكل تنظيمي للناشرين المغاربة، وغياب إرادة حقيقية لتشكيله على أسس ديمقراطية، وعلى أساس ميثاق شرف للنشر يلتزم به الجميع ، ولقد كانت تجربتي صحبة ناشرين آخرين، في تأسيس “اتحاد الناشرين المغاربة” سنة 2014، تجربة مفيدة ومؤلمة في نفس الآن، لقد استطعنا توحيد العديد من الجمعيات في اتحاد الناشرين المغاربة،وأصبح لنا تمثيل وطني وعربي ودولي كاتحاد للناشرين المغاربة، لكن ناشري الكتاب المدرسي استمروا في التعامل مع كل المؤسسات على أساس فئوي ضيق،باعتبارهم القيمون على الكتاب المدرسي في احتكار تام لسوق الكتاب المدرسي. بعد ذلك وعلى إثر انتخابات الجمعية العمومية الثانية في ماي 2016،وبعد أن لم يحصل بعض الأعضاء على مقعد لهم بالمكتب التنفيذي، ذهبوا في اتجاه تأسيس اتحاد جديد بإيعاز من الكاتب العام للوزارة آنذاك أضافوا له صفة “مهني”، وبدؤوا في عملية تضييق وطنيا ودوليا على اتحاد الناشرين المغاربة…ورغم كل الضربات استمر الاتحاد في تمثيل الناشرين دوليا ووطنيا …وفي سنة 2019 فضلت عدم الترشيح للمسؤولية داخل اتحاد الناشرين المغاربة،لغياب الجدية والأفق الواضح لدى الأعضاء ومؤسسات الدولة المعنية بالصناعة الثقافية.
كما أن سيادة القطاع غير المهيكل تساعد على رواج الكتاب المزور،وهي أولا مشكلة قانونية وأمنية ، وثانيا كارثة حقيقية لا زالت وستبقى تنخر القطاع، وتحد من تطوره ورسملته، وبالتالي من قدرته على خلق مناصب جديدة وقارة للشغل،في الإبداع والإنتاج والتوزيع والبيع، إضافة إلى المهن الملحقة من إشهار وطيع وتواصل وابتكار تكنولوجي.وهذا يحد من مساهمة قطاع الكتاب والصناعة الثقافية في الدخل الوطني العام,

- 4/وباء كوفيد 19 واثرها على الطبع والتوزيع والقراءة؟
إن المتضرر الأكبر من وباء كوفيد 19 هو مكتبات البيع الكبرى، والتي تبيع مباشرة للجمهور، لأن المكتبة تتطلب مساحات واسعة وموراد بشرية مهنية، وبالتالي ميزانية ضخمة للتدبير والتسيير، وهو ما نسميه بالمصاريف الثابتة وخلال الحجر الصحي لمسنا الأضرار التي لحقت بهذه المكتبات، رغم ما اتخذته الدولة قرارات في تحمل جزء من الأجور لصالح المنخرطين في الضمان ألاجتماعي وباستحضار سيادة القطاع غير المهيكل يمكن تصور الوضع,
كما أن البيع المباشر للكتاب توقف عمليا بحكم الحجر، وبالتالي فإن الكتب بقيت حبيسة أدراج المخازن رغم ملاحظتنا أن الطلبات على بعض الكتب بواسطة الإرسال عبر البريد قد ساعد في الالتفاف نسبيا على الوباء,
أما بالنسبة للطبع فقد توقف نهائيا منذ مارس 2020، الآن نعد العدة لطباعة بعض الكتب الجديدة مع اتخاذالاحتياطات اللازمة والمواتية للظرفية الوبائية.
وبالنسبة لمؤسستنا، ابرمنا مع بريد المغرب اتفاقية للبيع عبر البريد، ووضعنا على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات الشريكة وموقعنا الاليكتروني، واستطعنا من خلالها بيع بعض الكتب المنشورة من طرف الدار، خاصة الكتب التي خلقت “البوز” خلال المعرض الدولي للكتاب الأخير وهما كتاب “حوار مع المسلم للي ساكن فيا” و “مذكرات كافر مغربي”…..وبطبيعة الحال فإن هذا غير كاف للتدبير والحفاظ على استمرارية دار نشر اعتمدت وتعتمد بالأساس على السوق الخارجي من خلال المعارض الدولية وطلبيات المكتبات الأجنبية خاصة العربية,
متمنياتنا أن يمر هذا الوباء بسلام لنستطيع التحليق بالكتاب المغربي خارج أسوار لم تعد تقرأ إلا قليلا، وخارج سياق طلبيات تتم بعيدة عن هم تطوير الكتاب المغربي وتشتم منها روائح الفساد والرشوة والريع.

- 5/هل العصر الرقمي يهدد مهنة الناشر ويجهز على الكتاب والكتابة الورقية؟
- بالطبع، وبحكم تخصصي وتكويني، يمكنني الجزم بأن العصر الحالي في جزء منه عصر رقمي، لكن المستقبل سيكون في كُلِّيتِه رقميا بالتأكيد، لذلك فإن قطاع النشر سيعرف تحولا جذريا نحو سيادة الكتاب الصوتي والكتاب الإليكتروني عبر منصات خاصة، وسيتحول البيع والتوزيع كُلِّيانحو التجارة الاليكترونية, إذ سيستمر الكتاب الورقي لمرحلة محددة، مرتبطة أساس بتطور الشعوب وقدرتها على مسايرة العصر, ومسايرة التطور الماحق تكنولوجيا وسيبرانيا.

6/المرور من الناشر إلى الكاتب…كيف عشت هذه التجربة؟
في حقيقة الأمر لم تتم المسألة بهذه الطريقة، فأنا كتبت دائما وقبل أن ألج إلى مجال النشر سنة 2000، في قضايا مرتبطة بتخصصاتي في المعلوميات وفي الاقتصاد، كما كتبت في السياسة، وفي الأدب والسينما، لكنني كنت أكتب بأسماء مستعارة، خلال مرحلة معينة لأسباب أمنية وبعد ذلك تعففا، لأنني كانت لدي قناعة، أن الناس ينبغي أن يقرؤوا الفكرة في استقلال عن القائل أو الكاتب، وقد نشرت كتاباتي على جرائد ومواقع مغربية وعالمية باللغتين العربية والفرنسية.
خلال سنة 2017 قررت أن أنشر كتيبا عن رحلتي إلى بيكين عاصمة الصين الشعبية، (الرحلة المرادية إلى ببكين الصين الشعبية) ، التي زرتها لأول مرة، سنة 2016، وحاولت أن أضمن هذا الكتيب شذرات من ذاكرتي كذلك.وقد طبعت من هذا الكتيب، 500 نسخة نفذت أغلب نسخها، و نعد الآن طبعة جديدة منقحة ومزيدة ستصدر بداية 2021، بموازاة صدور الكتيب الثاني “الرحلة المرادية الى شانغهاي الصين الشعبية”، وهو كتاب في أدب الرحلة كذلك، وهو عبارة عن توثيق لرحلتي إلى شنغهاي بالصين الشعبية سنة 2018، كما سأضمن الكتاب شذرات من ذكرياتي، والتي أعتقد في فائدتها للقراء.وهكذا، فإن تجربة الكتابة لدي، مستقلة عن مهمة النشر التي سبق أن بسطت شروط وسياق ونسق ولوجي إليها.

الناشر أحمد المرادي مؤسس و مدير دار النشر التوحيدي في سطور
أحمد المرادي من مواليد قلعة السراغنة، الدراسة الابتدائية بقلعة السراغة، الاعدادي والثانوي باكادير وتارودانت، التعليم العالي بمعهد الاحصاء والاقتصاد التطبيقي (INSEA ) بالرباط، شعبية المعلوميات والسلك العالي للمعهد العالي للتجارة وتدبير المقاولات(ISCAE) بالدار البيضاء,
دار التوحيدي، تكريما لأي حيان التوحيدي، أصدرت منذ تأسيسها سنة 2000 ما يتجاوز 300 عنوان في مختلف العلوم الانسانية الاجتماعية والسياسية والادبية، باللغات العربية ، والامازيغية والدارجة، والفرنسية والبرتغالية والبولندية، وشاركت في معارض دولية للكتاب بالمغرب وشمال افريقيا والخليج العربي وفرنسا وكندا والصين.



